-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هروبا من التهميش وشبح "المركزية"

مبدعون يهجرون مدنهم بحثا عن “آلدورادو” العاصمة

محمود بن شعبان
  • 565
  • 2
مبدعون يهجرون مدنهم بحثا عن “آلدورادو” العاصمة

حمل الكثير من الفنانين عبر مختلف الولايات مسؤولية الأوضاع التي آلوا إليها لـ “سياسة مركزية” النشاط الثقافي والفني عبر المدن الكبرى عامة والجزائر العاصمة خاصة، التي أدت إلى كبح نشاط البعض وتغيير البعض لمهنهم رغما عنهم.

يعتبر الفنان بيئته كقاعدة أساسية ينطلق من خلالها إلى عالم الإبداع بمختلف أشكاله، إلا أن الظروف المفروضة عليه في بعض المناطق تجبره على هجرة تلك البيئة بحثا عن ظروف أحسن لتحقيق طموحاته خاصة مع تباين الفرص المتاحة بين المدن، التي من شأنها الحفاظ على بريق الفنان ونشاطه، مثلما عبر عنه الكثير من المبدعين من مختلف المجالات والولايات.

عقباوي الشيخ: المدن الداخلية محرومة حتى من البنية التحتية

قال المخرج المسرحي عقباوي الشيخ الإنسان ابن بيئته، كذلك الحال مع الفنان والمبدع هو أيضا من نتاج البيئة التي يعيش فيها وهناك علاقة واضحة وجلية في تأثير تلك البيئة على لمعانه وتطوره واستمراره من عدمه، وباعتبار أن المبدع يترجم محيطه ويشكل منه مادته الإبداعية، فإن احتضان تلك البيئة لفنه وطموحه وأفقه يجعل منه يفخر بإنتاجه ويسعد بدعم وتشجيع واحتفاء ذلك المحيط بمنجزه، وملامح تأثير البيئة في المبدع تظهر لنا في الكثير من التجارب الفردية لبعض الفنانين الذين اختاروا أن يغيروا مناطق إقامتهم لعدة أسباب، منها عدم توفر الجو المشجع على الظهور والانتشار إلى فضاءات أرحب، حيث تتوفر شروط معينة للإبداع من إمكانيات مادية مثل المسارح ودور العرض والمعارض وكذا المرافقة الإعلامية، ومعنويا حيث يوجد الجمهور والمتلقي الذي يملك تقاليد في متابعة الأعمال الفنية والاحتفاء بها، على عكس بعض المناطق التي ينافس فيها الفلكلور الفنون الحديثة.

وأضاف إبن مدينة أدرار أنه وكمقارنة بسيطة نجد أن العواصم والمدن الكبيرة أكثر جذبا للفنان من المدن الداخلية والصحراوية التي لم تنل حظها من بنية تحتية توفر للمبدع الحد الأدنى لإبراز موهبته، وكتجربة شخصية بعد إنهائي للدراسة في المعهد العالي لمهن فنون العرض، عدت إلى أدرار، ولم أستطع أن أبقى هناك، لأنني لم أجد البيئة المناسبة للعمل في اختصاصي وكان كل ما سبق من أسباب عدم تمكني من ممارسة فني، فاضطررت إلى أن أستقر في العاصمة لاعتبارات عديدة، لعل من أبرزها المركزية في كل الاختصاصات وليس في المسرح فحسب، لكن هذا لم يفصلني عن أدرار التي أنظم فيها ورشات تكوينية وفعاليات مسرحية متى سنحت الفرصة، واستمررت في النضال من أجل أن يكون لأدرار مسرحها الجهوي، ليستوعب مبدعيها وجمهورها.

الممثلة ليديا لعريني: الإقامة خارج العاصمة لم تشكل لي عائقا

من جهتها، قالت أصيلة مدينة باتنة الممثلة ليديا لعريني إنه يمكن أن ننكر أن بعد الفنان عن العاصمة يؤثرا سلبا على نشاطه، خاصة أن أغلب مؤسسات الإنتاج متواجدة هناك.. وهو ما يستدعي منا التنقل للمشاركة في مختلف النشاطات وكذا عملية الكاستينج لاختيار الممثلين، إلا أنني أرى في ذلك جانبا إيجابيا يدفع بالمبدع إلى السعي وراء تحقيق أحلامه وبناء مشوار فني مشرف يجعله مطلوبا في مجاله.. وهو ما حدث معي شخصيا، فرغم إقامتي بعيدا عن العاصمة إلا أنه، بسبب اجتهادي واحترامي لمهنتي، فإن الكثير من المخرجين والمنتجين لا يترددون في توزيعي في إنتاجاتهم التلفزيونية والسينمائية مع التكفل التام بي طيلة فترة التصوير. أما بالنسبة إلى مجال المسرح، فإن توفر أغلبية ولايات الوطن على مسارح جهوية قد فتح المجال لإبداع فني لا مركزي، خاصة أمام تعدد تجارب الفنانين من مختلف ربوع الوطن، التي سمحت بممارسة نشاطنا ليس فقط على مستوى ولاياتنا بل كثيرا ما نخوض تجارب فنية مع مسارح من ولايات أخرى.

بن ربيع: بيئة المبدع قد تكون سببا لإعدام الموهبة

صرح الكاتب محمد الامين بن ربيع منذ وصولي إلى العاصمة، في عام 2009، لاحظت أنها تستقطب المبدعين من مختلف المشارب، وتساعدهم على خلق جو تواصلي محفز، وتمنحهم فرصة ليعيشوا في المناخ المناسب لأمزجتهم، حيث يجد المبدع من يمنحه أذنا مصغية أو انطباعا مشجعا، أو رأيا موجها أو صحفيا مهتما.

ويضيف: وفي كل مرة، كنت أزور المعرض الدولي للكتاب، أو قصر الثقافة أو إحدى المؤسسات الثقافية الكبرى في العاصمة وأرى تلك الحركية الثقافية الخلاقة أتذكر بوسعادة ومجالسها الثقافية المتباعدة والموسمية، فلا أستغرب أن المبدعين القريبين من المركز حيث يتمركز النشاط الثقافي وممولوه، أكثر إنتاجية من مبدعي الهامش والضواحي الذين يتحينون الفرص فيلوح شهاب أحدهم حينا ثم يأفل أحيانا، واقعين تحت رحمة البيئة التي نادرا ما تكون مشجعة لعملهم الإبداعي، بالإضافة إلى شحّ المواضيع التي قد يجدها مناسبة للكتابة في بيئته، على خلاف البيئة الحضرية والمدن الكبرى حيث يمكنه أن يجد مادة ملهمة تغذي مخيلته الإبداعية. لذا، قد يمتلك طموحا ليترك مكانه القصي ويتجه إلى العاصمة محاولا التقرب من الدوائر الثقافية النشطة لعله يحظى بفرصة ليجد مكانا بين مرتاديها، أو يظهر في وسائل الإعلام للترويج لعمله، ليقينه من أنه إذا بقي حيث هو فستقل تلك الفرص وتنعدم وقد تُعدم معها موهبته.

دحام: مركزية الانتاج ساهمت في طمس الانتاج الفني

وقال الفنان أحمد دحام إن أغلبية مؤسسات الإنتاج في مختلف المجالات الإبداعية متمركزة في الجزائر العاصمة، ما عرض الفنان الجزائري للتهميش نتيجة سيطرة بعض الوجوه على المشهد الفني.. وهو ما أدى إلى فشل الكثير من المخرجين والمنتجين الجزائريين في إيصال هوية الأعمال الجزائرية نتيجة طمس تقاليدها ولهجات مختلف مناطقها، التي تظهر جليا عند قراءة السيناريو لتندثر بمجرد تجسيدها في شكل عمل تلفزيوني أو سينمائي.

ياسمينة عبد المومن: أهل القطاع يتحملون مسؤولية تهميش المبدعين

أما الممثلة ياسمينة عبد المومن فتقول إنه رغم وجود مشاريع فنية بميزانية ضخمة، إلا أن المنتجين يتعمدون سياسة إقصاء وتهميش الفنانين القاطنين بعيدا عن العاصمة ويفضلون استقدام فنانين أجانب يكلفونهم مصاريف باهظة مقابل أداء أدوار في متناول الممثلين الجزائريين. عكس ما نتعرض له كفنانين جزائريين، حيث يفرض علينا التكفل بمصاريف تنقلنا إلى العاصمة وحتى الملابس التي نظهر بها في الأعمال التلفزيونية، رغم احتساب ميزانيتها في المشروع.

وحتى المسرح، لم يسلم من ظاهرة التهميش، حيث أصبح الكثير من المسؤولين بمسارح الدولة يجبرون المخرجين على الاستعانة بفنانين من داخل الولاية دون سواهم، رغم عدم ملاءمة الأدوار لهم، وهو ما يعد إجحافا في حق المبدعين القاطنين بعيدا عن العاصمة، كما حرمت الجماهير عبر مختلف ولايات الوطن من فرصة حضور العروض المسرحية التي تم إنتاجها في الجزائر العاصمة، نتيجة قرارات المسؤولين بوقف جولاتها الفنية بحجة عدم توفر الإمكانيات للتكفل بالفنانين الموزعين فيها طيلة الجولة.. لذلك، نحمل مسؤولية تدني أوضاع الفنانين لأهل القطاع من إداريين ومنتجين ومخرجين، من الذين أصبح المال همهم الوحيد، ضاربين حقوق الفنان عرض الحائط، بالرغم من كونه الحلقة الرئيسة في نجاح أي مشروع فني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • حقيقة مرة

    مبدعون يهجرون مدنهم بحثا عن “آلدورادو” العاصمة ... تتحدثون عن العاصمة بأنها آلدورادو وهي المصنفة من بين أسوء 10 مدن للعيش في العالم حسب المسح الدولي السنوي الذي تجريه وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة الإيكونوميست لسنة 2021 مع كل من دمشق عاصمة سوريا وهراري في زيمبابوي وداكا في بنغلاداش وكراتشي في باكستان .... الخ

  • معلق حر

    ما معنى هدا للمعني بالإمر