متهمون ينتحلون هويات مزيفة وآخرون يدخلون السجن بأسماء معارفهم
انتشرت في الآونة الأخيرة عبر مختلف المحاكم الجزائرية القضايا المتعلقة بانتحال هوية الغير، حيث يلجأ العديد من المتهمين للإدلاء بأسماء وهمية لغرض التهرب من العقوبة، وآخرون ينتحلون أسماء أشخاص معروفين لتوريطهم أمام العدالة أو انتقاما منهم، وفي هذا الاستطلاع نرصد لكم العديد من القضايا المتعلقة انتحال هوية الغير.
وفي هذا السياق، شرح لنا العديد من المحامين الذين التقيناهم بالمحكمة أن قضايا انتحال هوية الغير في ارتفاع مستمر وتمثل حوالى 30 بالمئة من مجموع قضايا الجنح المعروضة على المحكمة، وكثيرا ما تقترن هذه التهمة بتهمة أخرى بحيث يكون المتهم متابعا في قضية سرقة مثلا ويتابع أيضا بتهمة انتحال هوية الغير، وغيرها من الجنح المرتكبة خاصة من قبل المسبوقين قضائيا، والذين يلجؤون لهذا التصرف لغرض التهرب من العقوبة أحيانا إذا كانوا غير موقوفين، أو لتفادي امتلاء صحيفة سوابقهم العدلية بالأحكام بحيث يدخل المتهم السجن بهوية مغايرة لهويته، وفي هذا المقام نذكر قصة متهم ارتكب جريمة قتل بضواحي العاصمة ومنذ الوهلة الأولى للتحقيق معه منح الشرطة اسم شقيقه المغترب وتاريخ ميلاده حيث تم تقييد الحكم القضائي الصادر ضده باسم شقيقه المغترب الذي لم يتفطن لذلك إلا بعد سنوات لدى دخوله الجزائر، بحيث تفاجأ لما قصد المحكمة لاستخراج صحيفة سوابقه العدلية من الحكم المقيد في حقه، لتنكشف خدعة شقيقه الذي توبع أمام محكمة الجنح بجنحة انتحال هوية الغير، وقصة أخرى لشاب من العاصمة كان يؤدي الخدمة العسكرية بالجنوب الجزائري، تم ضبط من قبل عناصر الأمن وبحوزته قطعة كيف، وللتهرب من العقوبة منحهم هوية مغايرة لهويته تبين أنها لصديقه وجاره بالعاصمة، وهكذا أدين صديقه غيابيا في مكانه بتهمة الحيازة واستهلاك المخدرات، هذا الأخير الذي استغرب من الحكم المقيد ضده ليتبين لدى معارضته للحكم الغيابي أن الاسم اسمه لكن تاريخ الميلاد لا يخصه لتتم تبرئته، وبعد التحقيق في هوية الشخص الذي ارتكب الجنحة توصل المحققون للفاعل الأصلي الذي اعترف لدى محاكمته بأنه منح الشرطة اسم صديقه خوفا من فصله من الجيش.
وفي سياق متصل، أكد المحامون أن ظاهرة انتحال المسبوقين لهويات مغايرة من شأنها عرقلة حسن سير العدالة والتسبب في العديد من المشاكل منها على مستوى تقييد الأحكام في صحيفة السوابق العدلية بحيث يجد البعض ممن استعملت هوياتهم أنفسهم متابعين بجرائم وجنح لم يرتكبوها، كما تتسبب هذه الظاهرة في تعقيد الإجراءات القانونية من تصحيح الهوية وغيرها والتي تستلزم جلسة ومداولة لتصحيح الهوية، كما يؤكد المحامون أن قضايا انتحال هوية الغير في تزايد مستمر رغم حرص القضاة على التأكد من هوية المتهمين وحتى الضحايا وتصحيحها من أول جلسة لتفادي الأخطاء التي قد تؤثر على الحكم فيما بعد، هذا وغالبا ما يلجأ المتهمون غير الموقوفين لانتحال هويات مغايرة للهرب من العدالة وهذا من خلال منحهم للشرطة في بداية التحقيق أسماء وهمية ثم يختفون عن الأنظار، أما إذا ألقي القبض على الشخص ومنح الشرطة هوية مغايرة فسرعان ما ينكشف أمره لدى تفحص أوراقه الشخصية.
متهمون يمنحون الشرطة أسماء خاطئة خوفا من السجن؟
هذا وتكشف أغلب جلسات المحاكم أن الخوف من دخول السجن أو معرفة الأهل يدفع بالعديد من المتهمين للكذب ومنح أسماء مغايرة لأسمائهم، خاصة في قضايا “الحرڤة” حيث يهرب الشباب من ديارهم لخوض مغامرة “الحرڤة” أو الهجرة غير الشرعة دون علم الأهل، ولدى إلقاء القبض عليهم يمنحون الشرطة أسماء مغايرة خوفا من وصول الخبر للعائلة، وفي هذا السياق نذكر قصة شاب من العاصمة ألقي عليه القبض داخل الميناء وهو بصدد التسلل للباخرة الراسية هناك والمتجهة إلى أوربا، ولدى التحقيق معه من قبل الشرطة منحهم هوية مغايرة، ليتابع أمام المحكمة بجنحة انتحال هوية الغير، حيث كشف بأنه خاف من ردة فعل والده إذا علم بإلقاء القبض عليه فكذب على الشرطة، ونفس الشيء بالنسبة لفتاة من العاصمة ألقي عليها القبض من قبل مصالح الأمن بتهمة التشرد حيث كانت تتسكع ليلا في شارع البريد المركزي، و عندما طلب منها رجال الشرطة هويتها منحتهم اسما آخر ليتبين بعد التحقق من المعلومات على جهاز الإعلام الآلي بأنها كذبت عليهم، بحيث شرحت للقاضي أثناء محاكمتها عن تهمة انتحال هوية الغير بأنها أول مرة في حياتها تدخل قسم الشرطة وكانت خائفة جدا، وهو الشيء الذي دفعها للكذب في الوقت الذي حذرها القاضي من تكرار هذا الفعل مرة ثانية لأن العقوبة ستكون ردعية باعتبار أن انتحال هوية شخص آخر هو أمر خطير جدا من شأنه التسبب في عدة متاعب لصاحب الهوية الثانية وكذا عرقلة السير الحسن للعدالة.
شاب تورط في قضية سرقة ويدخل السجن باسم جاره
وفي هذا المقام نذكر قصة شاب ألقي عليه القبض في قضية الركوب السري “الحرڤة” منح رجال الشرطة هوية جاره وتاريخ ميلاده واسم والدته، ليحاكم باسم هذا الأخير حيث حكم عليه بعقوبة مع وقف التنفيذ، ليكتشف أمره بعد مدة لما ذهب جاره لاستخراج شهادة سوابقه العدلية ليفاجأ بالحكم الصادر ضده، وحكاية مشابهة لمتهم قاصر تورط في قضية سرقة فيلا بحيدرة ولدى إلقاء القبض عليه منح الشرطة اسم جاره وكل المعلومات المتعلقة به والتي يعرفها بحكم الجيرة ليدخل السجن لمدة شهرين باسم جاره ويخرج منه بشهادة سوابق عدلية نظيفة باعتبار أن الحكم قيد في صحيفة سوابق جاره.
قانونيون: “هناك تقصير من الشرطة في التأكد من هويات المتهمين”
أكد الأستاذ أحمد دهيم، محام لدى نقابة العاصمة، بأن القانون الجزائري يعاقب كل من انتحل اسم الغير في ظروف أدت إلى قيد حكم في صحيفة سوابقه العدلية من سنة إلى خمس سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية من 100 ألف إلى 500 ألف، وهذا حسب المادة 249 من قانون العقوبات، وأشار الأستاذ أحمد دهيم إلى أن هناك تقصيرا من مصالح الضبطية القضائية فيما يخص هذه الظاهرة بحيث لا يتم التأكد جيدا من بطاقة هوية المتهم ولا شهادة الميلاد رقم 12 لدرجة أن هناك من المسبوقين من احترفوا دخول السجن بأسماء وهمية للتهرب من العقوبة والاحتفاظ بشهادة سوابق عدلية نظيفة، ونوه ذات المتحدث بصرامة المشرع الجزائري فيما يخص هذه الظاهرة بحيث من شأن المتابعة أن تصل لحد جناية التزوير إذا ما ثبت ذلك حسب الفقرة 2 من نص المادة 249.