-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مجاري العملاء والمغفّلين

مجاري العملاء والمغفّلين

الآن تتحرك كرَمان توكُّل لتشرح لدول مجلس الأمن جذور المشكلة اليمنية، بعدما بدأت الحملة الجديدة على جماعة الحوثي، دولٌ كبرى لديها مؤسسات عريقة وإمكانات ضخمة لمعرفة ماذا يحدث في اليمن!؟ وأنا على يقين من أمرين، أولهما أن توصيف هذه المرأة لجذور الأزمة اليمنية في الانقلاب الحوثي على الدولة ومؤسساتها وأن الحل في عودتها ليس بريئا بل هو تسويق لرؤية التحالف لما يحدث في هذا البلد.
وثانيهما أن هذه الدول المستمعة لمرافعة كرمان-والتي وهبت ثقافتها السياسية لتوكل جائزة نوبل للسلام- لديها مقاربة منافِقة للغاية؛ فهي تجاري عمليا التحالفات التي تُبرم هنا وهناك لسحق جماعة الحوثي وحماية الدول الخليجية من الانهيار، ومن وراء ذلك حماية مصالحهم الإستراتيجية، ولكنها في الأقبية الخاصة حيث الأسرار المدفونة للدول الاستعمارية، تتحدث هذه الدول عن صون تركة الثورة العربية ضد الخلافة العثمانية، وأن وجود حركات تنزع نحو الاستقلال في قرارها والسيادة على مقدراتها ولو كانت طائفية هو في الحقيقة حملة تحرُّر من الهيمنة الأجنبية، ما قد يستدعي ثورات أوسع على صعيد الأمة بأكملها؛ وفي ذلكم نهاية حتمية لعصر الهيمنة الغربية.
إن رائحة الشماتة تفوح من هذه التقارير وتزكم الأنوف، ولا تكاد تجد كلمة واحدة تتكلم عن الظلم الأمريكي، المهم أن نجلد الضعفاء مع الجلادين فيسلم الرأس، نكاية في إيران التي منعت سفن الشحن القطرية والخليجية من بيع منتجاتها، يا للمهانة: مسلم يشمت بمسلم! ولمصلحة من؟ لمصلحة الغزاة وأعداء الأمة. وإنه لا يوجد من بيننا من يقرأ في الوقائع أسراها، ويتساءل عمن يسوق إلينا هذه العذابات ولأي غاية؟ علينا أن نلتفت إلى سنن الله في الآفاق لعلنا نستفيق من الغفلة التي رانت على القلوب والعقول.

العنتريات المزوّرة
إن التوتر الذي أعقب قصف مطار “أبو الظهور”، ورفعَ اسم سورية من قائمة “الداعمين للإرهاب”، ودعوةَ الهَجَري إلى انفصال السويداء عنها وإلحاقها بالكيان الصهيوني، واتصالَ القيادة السورية بالعدوّ، وتوغلَ القوات الصهيونية بحوران، وحلَّ قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، كلها أحداثٌ تلاحقت في الساحة السورية، وأسعدت بعض الناس وأحزنت بعضا آخر، وإني لا أراها ستؤثر على قواعد الصراع الأساسية، بل إنها ستعقِّد الوضع في سورية وتُدخلها في تناقضات داخلية وخارجية تعطِّل إقلاعها الحضاري. إن المرتكزات الأساسية تتمثل في وجود احتلال متوحش متمدد عقائديا وواقعيا على الأراضي المحيطة به ومنها الجنوب السوري. وقراره الاستراتيجي الذي يساهم في تمدده هو ألا تكون سورية دولة قوية مهما دعمها الأتراك والعرب، وخلافا لتصريحات الولايات المتحدة وأوروبا المنافقتين اللتين لن تقايضا على الكيان الصهيوني بأي حال من الأحوال.
إذن لن تكون سورية شوكة في خاصرة الاحتلال ولو أدى ذلك إلى حرب إسرائيلية- تركية، ولن تستطيع دولُ الخليج المنكوبة حقا أن تستثمر مستقبلا في خطوط الطاقة البرية البديلة عن المضايق، لأن ممراتها ستكون تحت رحمة الكيان كما هي اليوم تحت رحمة إيران. بقي الحل المجدي فعلا -والذي يتهرب منه الجميع- هو مواجهة الحقيقة، التي تقول إن زوال هذا الكيان المحتل من قلب العالم الإسلامي هو أول خطوة مستدامة لحياة مزدهرة لشعوب المنطقة.
يتحجَّج بعضُهم بأن المرحلة ليست مرحلة “عنتريات”، ولن نجازف بدمشق لتصبح ركاما كغزة! ولا أدري من أين أُخذ عنترة العبسي بهذا، كي يُضرب به المثل في التهور وهو رمزُ الشجاعة والفروسية عند العرب؟ على أن رواية فكاكه من العبودية ذات مغزى جليل، فإنه لما طُلب منه أن يكرّ على الأعداء رفض وقال قولته المشهورة: “إن العبد لا يعرف الكرّ وإنما يعرف الحلاب والصرّ”. ولما طُلب منه ثانية أن يكرّ لقاء حريته كرّ وهزم خصومه وتحرَّر. والعجيب في هذا الحُرّ كيف حُوِّرت قصته ليُضرب بها المثل في ضرورة توخّي السلامة بالإحجام وعدم الإقدام؟ وهو الذي فهم بفطرته البدوية معنى العبودية في أنها السُّخرة لقاء الطعام، وأن الحرية لها ثمنٌ يجب أن يُدفع من الدماء.

إن رائحة الشماتة تفوح من هذه التقارير وتزكم الأنوف، ولا تكاد تجد كلمة واحدة تتكلم عن الظلم الأمريكي، المهم أن نجلد الضعفاء مع الجلادين فيسلم الرأس، نكاية في إيران التي منعت سفن الشحن القطرية والخليجية من بيع منتجاتها، يا للمهانة: مسلم يشمت بمسلم! ولمصلحة من؟ لمصلحة الغزاة وأعداء الأمة.

وإنه كما فُتحت الشبكة الدولية للبنوك على سورية بكبسة زرّ فستُغلق بكبسة زر كذلك. وليس هنالك من مزية في هذا الدفع الالكتروني إلا الاستعراض الموقوت. لذلك فالدول التي تصمد هي الدولُ التي تبني اقتصادها على أسوإ الاحتمالات، أو تبنيه على أساس الحرب، وكل ما زاد على ذلك فهو قيمة مضافة ليس أكثر. روسيا وإيران وغيرهما نماذج تُحتذى في هذا المضمار لأنها أدركت مبكرا بأن رأسها مطلوب للغرب، بل إن سورية أكثر الدول حاجة للأنظمة البديلة لأنها تقع على فوهة مدفع، وسيأتي اليوم الذي تنطق فيه المدافع من أعلى جبل الشيخ. ومن لا يعرف معنى الغرب والصهيونية فلا يمارس السياسة يا حكماء سورية!

صلاح الدين والأطرش
ثم إن إدماج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة السورية لا يعدو كونه ترتيبات شكلية ولا تلامس الجوهر، ويبدو أنه جرى التوافق عليها اضطرارا وهربا من المضمون المختلَف عليه، والذي سيتفجَّر لاحقا بعدما يأخذ كلٌّ مقعده في القطار. “قسد” تربّت على إيديولوجية شيوعية، وتشرَّب أعضاؤها أفكارا غريبة عن البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها، ومنها قضية المرأة التي أقحِمت في الوحدات بصورة رجل مقاتل من دون مراعاة للخصوصية الأنثوية، التي لولا الشعور المرسَلة كذيول الأفراس لما كنت تفرِّق بين كردي وكردية. ولعل ذلك من أسباب رفض الجيش السوري إدراجهن في صفوفه، فوجدت السلطة السورية لهن مكانا في وزارة الداخلية من خلال أعمال “مكتبية”.
وكان الأولى بالمرأة السورية المسلمة، أن تعود إلى بيتها وتستمتع بفطرتها، ويُجرى لها من بيت المال جراية تعينها على وظيفتها الأساسية. أما عن رجال الدولة الواردين إليها من مشارب شتى، فلن يستقيم لهم التعاونُ على بناء دولة قوية وكل منهم يحمل نموذجا مختلفا عن الآخر. أسأل الله تعالى أن يجمعهم على الهدى والتقوى.
إن كل هذه التنديدات من الطائفة الدرزية الكريمة في مختلف بقاع مشرقنا الحبيب التي توالت مستنكِرة تصريحات العميل حكمت الهَجَري تؤكد المؤكد، الذي أنشده أحمد شوقي (رحمه الله) في رائعته “رثاء دمشق”:
وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا
وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا
بيد أن الكلام اليوم لا ينفع وحده إذا لم يترافق ذلك مع تحركات من داخل السويداء تئدُ الفتنة في مهدها، ولعل أحسن المواقف قوة ما صدر عن ليث البلعوس، وعلى ما قاله هذا الرجل المعوّل. والغريب أن يعلم النائب سعيد نفاع بعلاقة المعتوه الهجري بالكيان منذ عهد النظام البائد، كيف به احتفظ بهذا السر الفظيع إلى اليوم ثم يسمي ما قام به “خربشات”؟
ومع تقديرنا لما أكد عليه شيوخ الطائفة من أن عقائدهم لا تمتُّ بصلة إلى اليهودية، فإنه من الأنسب جدا اليوم وليس غدا أن يذاع على الملأ ما يعتقد هؤلاء بدلا من بقائه طي الكتمان، فالتاريخ علمنا ألا نترك مصائرنا للمجهول؛ فالمشرق بيئة خصبة بحالته الفوضوية هذه لخروج جماعات متطرفة تستخدم القوة بلا رحمة في وجه كل من يُشتمّ منه الولاء للأجنبي، وفي العراق تجارب مريرة ذاقت فيها مكوناتٌ اجتماعية ويلات التقوقع والغموض.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!