محاكم وسجون بحجم وطن!
لا أدري إن كان الجزائريون مقتنعين بأن عدد أفراد العصابة، هو فعلا بحجم أصابع اليدين، وهم الذين يعرفونهم بالاسم واللقب وبالتهم الثقيلة الموجهة إليهم، فيكون على القضاء جرّهم إلى الحساب، ويكون بمقدور السجون استقبالهم مع “زملائهم” في الإجرام، فننتهي بسرعة من وجع الرأس الذي تُسبّبه هذه الأسماء التي يتداولها الإعلام والشارع، وننطلق في عملية البناء التي لا يعلم أحد موعدها ولا مهندسيها إلى حدّ الآن.
رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وصف المبالغ المنهوبة في العقدين الأخيرين بالخيالية، وهو وصف من النادر أن يستعمله أي مسؤول في العالم، إلا إذا كان خياليا فعلا، وفي هذه الحالة فمن غير المعقول أن يختلس رجل هذا المال الخيالي من دون أن يكون “جيش” من اللصوص والمرتشين ومغمضي الأعين والعاملين عليها، قد ساعد هذا اللص على أن يجمع هذه الثروة الخيالية ويهرّبها إلى الخارج بهذه الطريقة العجيبة.
وكل الذين يُتابعون حاليا في القضاء بتهمة الفساد، إنما هم من الذين عمّروا لعقدين أو أكثر، من دون أن يسألهم أي كان، من أين لك هذا؟ بل قد يكونون ضحية صمت النظام، حتى إنهم تخيّلوا أن البلاد إرث الأجداد وملك الآباء، فصالوا وجالوا فيها وبنوا لأنفسهم جنانا في الداخل وفي الخارج، وأحرقوا ما بقي. وفي العُرف القانوني يتورط القاتل مع الذي يسيء استعمال السلطة وإخفاء أدلة الجريمة وعدم التبليغ والامتناع عن إخبار السلطات، في جريمة واحدة، وفي العرف الإسلامي يعتبر شارب الخمر وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها، سيان، عند مُحرم الخمر. وسنكون ضد القوانين الشرعية والموضوعة لو بقيت هذه الأسماء مثل الهامل والبوشي والخليفة وكونيناف وربراب بين المتابعة القضائية والحبس، وننسى الذين عصروا الفساد وسقوه الناس وأسكروهم، ونحن نعلم بأن عددهم كبير جدا.
نُدرك أن جرّ الجميع إلى المحاكم والزج بهم في السجون يتطلب ميزانية قد لا يكفيها ما تبقى من احتياطي الصرف، وندرك أن عددهم يفوق عدد من هم حاليا في السجون ولا يكفيه قضاة العالم وسجّانوه، ولكن وضع “الزوم” تجاه بعض الأشخاص دون الغالبية المخفية خلف الستار هو مكافأة للذين حوّلوا الفساد إلى ثقافة حياة في البلاد، إلى درجة أن الناس اقتنعوا بأن لكل حق ثمنا ماديا ولكل باطل رجالا يحمونه حتى يُزهر ويعطي ثماره.
أصعب ما في الأمراض الخبيثة هو حرق الخلايا السرطانية القاتلة، وأصعب ما يعانيه المريض نفسيا هو اشتياقه إلى الشفاء والسعي إليه بالسرعة الفائقة، ونكاد نجزم بأن محاولة نسف الورم، ستؤدي إلى نسف الكثير من الخلايا والأنسجة والأعضاء، لأن العدوى التي يسببها الفساد لا تُبقي من البدن ولا تذر، فما بالك أن يكون عمرها قد تجاوز العقدين.