-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محاولة أخرى للمشروع الإسلامي

الشروق أونلاين
  • 5927
  • 7
محاولة أخرى للمشروع الإسلامي

منذ أن اصطدم العالم العربي ـ الإسلامي بالحضارة الغربية الكاسحة، الغازية لكل قطر من أقطاره، بقوة السلاح، وبالتفوق العلمي تدبيرًا وتخطيطا… منذ ذلك الوقت، وطليعة ما لدى الأمة، من نخبها الفكرية، والشابة منها بصفة خاصة، تبحث عن منهج نظري تطمئن إليه، يمكـّنها من أن تصوغ مشروعا حضاريا، واقعـيا، أصيلا، يجمع بين جوهـر القيم السامية التي صنعت أمجاد الأمة طوال حقبها التاريخية، وحقائق العصر التي لم يعد بوسع أحد تجاهلها. ولا مناص من التفاعل معها.

  •  ولقد استشعرت، تلك الطليعة، في وقت مـبَكـّر، حقيقة التطورات الخطيرة، والتغيرات الهائلة التي حدثـت في العالم؛ وأدت، فيما أدت إليه إلى فرض جملة من التحديات على دنيا الحضارات القديمة كلها، بحيث لم يعد أمامها إلا أن تخرج من سباتها المديد”فـتـنـهـضَ” لتـتـكيفَ مع الواقع الجديد… أو يقومَ هذا الغرب المهيمن، الخارج من ظلمات قرونه الوسطى، بافتراسها، حقيقة ومجازا، والقضاء المُـبْرَم على كياناتها مضمونا وشكلا…
  • بيد أن الغزوات الاستكشافية للقوى الإمبراطورية الغربية، المتنافسة فيما بينها، كما تتنافس الذئاب الضارية، الباحثة عن مواقع استراتيجية لتأمين خطوطها البحرية والبرية، من أجل مواصلة النهب الجَـشِـع لخيرات المستضعفين، وبسط نفوذها الشامل عليها ـ (حملة نابوليون بونابرت على مصر عام 1798، نموذجا) ـ ما لبثت، بعد نـَيِّـفٍ وأربعين سنة، أن تحولت إلى احتلال استيطاني غاشم، صار اسمه الاسـتـعـمــار، (الجزائر نموذجا، عام 1830). وقد انتشر بعد ذلك، ولاسيما بعد منتصف القرن التاسع عشر.. واستفحل إثـر الحرب العالمية الأولى، كالخلايا السرطانية، في الجسد العربي، بعد اتـفاقـية “سـايـس ـ بـيكـو” المشؤومة، حتى ما كاد ينجو فيه شبر من سيطرة مباشرة أو غير مباشرة؛ مستـفيدا في ذلك من موت “الرجـل المريض” (وهي التسمية التي أطلقت على الدولة العثمانية في آخر عهودها) .
  •       ومن الغرائب أنْ سـُمّـي هذا الاحتلال “استعمارا”، بضد اسمه، (كما لو جرى ذلك على عادة العرب في تسمية الآفات والمصائب، وكلِّ ما هو مُستـَكـْرهٌ من التسميات، بما يدل على نقيضها.  فاللـَّديـغُ عندهم هو السليم، والأعمى هو البصير… وحتى في العاميات المغاربية تسمَّى النار “العافية” إلخ…).
  •       وبما أن المصائب لا تخلو أحيانا من فوائد، فقد توجهت طاقات الأمة نحو دربين متجاورين، متكاملين، من دروب الفكر؛ أحدهما يبحث في أسباب الانحطاط الذي أصابها منذ عدة قرون، حتى فقدت كل عناصر قوتها المعنوية التي كانت من أهم العوامل في قوتها المادية. والثاني كان يستكشف طرائق الخروج من وضعية الضعف والتخلف التي تطبع حال الأمة، وتباعد ما بينها وبين الحياة السوية، الكريمة، يوما بعد يوم. وكان الدربان يلتقيان في ساحة واحدة، هي ضرورة استعادة حرية الأمة بدحر عدوها، واسترجاع سيادتها الكاملة على كل أجزاء وطنها المستباح. وهنا انطلق الفكر يبحث، في آن واحد، في أساليب الكفاح الناجع للتخلص من الاحتلال، وفي تشخيص مقومات بناء الدولة التي تحقق التخلص من آثار الغزو الاستعماري من ناحية، وتمكـّن من تشييد قواعد الوطن الجديد، على أسس عصرية، من ناحية أخرى.
  • وقد بدا بكل وضوح للباحثين والمتأملين في التطورات التي عرفتها أجزاء الوطن العربي التي تخلصت من أشكال الهيمنة الاستعمارية المباشرة قبل غيرها، ثم اتضح الأمر نفسه في البلدان التي تحررت بعد ذلك، أن تحديات البناء ستكون أشد وأخطر، بما لا يقاس، من تحديات التحرير! فبعـد أن زال الاستعمار، وانقضت الفرحة الأولى بزواله، وأطفِئت القناديل التي أشعـِلتْ ابتهاجا بمقدم الاستقلال؛ أخذ هذا الاستقلال نفسه يتحول إلى عقدة العُـقـَد. ليس لأن في الأمة عاقلا واحدا يحن إلى الاستعمار، أو يتأسف عليه، (وإن وُجد من غير العقال من يفعلون ذلك عندنا، ويجاهرون به، ويكتبونه، وتـُعرَض كتبهم، وتتصدر واجهات المكتبات…) ولكن لأن الذي تحقق في الاستقلال (من دون السقوط في عدمية المنكرين لكل شيء..) لم يكن، عموما، لا في مستوى التضحيات، ولا في مستوى الطموحات، ولا في مستوى ما أنفق عليه من الأموال!. وقد تبلورت القناعة المتزايدة في صفوف المجتمع ونخبه بأن الآفات التي تفاقمت في ميادين التلاعب بالمال العام، تبذيرا واخـتلاسا، وانتشار مظاهر الرشوة، وتصاعـد نذر الـوَهـَن المقلق في جدار البناء الاجتماعي، إلى الحد الذي صارت فيه الكيانات الوطنية نفسها عُـرضة لتهديدات جدية بالتصدع، بحيث يخطىء كثيرا من يهوّن أمرها، أو يستهين بها. والذي زاد الأوضاع سُـوءًا وتعقيدا تصرفات الحكام الذين لم يعد شيء يقوى على الحد من انفرادهم بكل آليات السلطة في البلدان المعنية، والتصرف في الأقطار التي يحكمونها كما يتصرف المالك في ملكيته الخاصة. وقد بلغوا من الاحتقار لشعوبهم أن أخذوا يرتبون لتوريث أبنائهم وأقاربهم تلك الأوطان، شعبا وأرضا، وكأنها شقق شاغرة، يتقرر مَـنحُ امتلاكها بكلمة واحدة يلفظها اللسان!!  
  •       ثم كانت ثالثة الأثـَافـي أنْ أضافوا إلى هاتيك المساوئ كلها ذلك الخضوع المُهين، والاستسلام المُذل لإرادة المستعمر القديم، فسلموه مقاليد البلاد، وأتاحوا له أن يتمتع فيها بوضع أريح من الاحتلال المباشر لها، فرجاله يسيطرون على كل نشاط حيوي فيها، ويتغلغلون في أعماق أحشائها، ويجوسون في ما شاؤوا من حرماتها، ويسلبونها خيراتها المادية والمعنوية، ويفرغون في أسواقها كل بائر من تجارتهم، وفاسد من مصنوعاتهم؛ من غير ما أعباء ولا تكاليف! ووُكلاؤهم من المحسوبين على الوطن يُـنـفِـذون لهم ما أعَـدّوا من خطط الاستلاب والاحتواء… وكل هذا الانبطاح من الحكام المستبدين يَصْدُر عنهم طمَعًا في حماية وهمية يبذلها لهم الراعي الأجنبي من شعوبهم حين تغضب؛ وقد أثبتت الحوادث في كل مرة، وحوادث تونس ومصر شاهد عيان حديث، أنه لا أحد يستطيع أن يحميَ مستبدا من شعبه حين يغضب!..
  •       في هذه الأجواء المفعمة بالغيظ، والإحباط، والنقمة على تجارب الاستقلال كلها، الاشتراكية منها والرأسمالية، الجمهورية منها والملكية… نشطت بعض النخب الوطنية المُسيّـسة إلى البحث عن مخرج من هذه الحال التي لم تعد تحتمل، والتي صار الجميع يخشون من أن استمرارها سيؤدي إلى انفجار لا يـُـبقي ولا يـَـذر، أقله أنه سيسهل تدخل قوى الهيمنة العالمية، ووضع يدها على البلدان لتعيدها إلى ماضي القيد والعبودية. وقد انقسمت تلك النخب إلى فريقين، أحدهما يرى الحل في استنساخ النموذج الغربي بروحه وآلياته، مصحوبا بقِـيَمِه الثقافية التي هي عند بعضهم وليدة تطور تاريخي خاص بهم، مثل عقيدة “اللائيكية” التي لايشاركهم مفهومَها الخاصَّ بهم حتى أقربُ أشقائهم الغربيين! أما الفريق الثاني فيتبنى جل آليات الديمقراطية الغربية، من التنوع الإعلامي، إلى التعدد الحزبي، والاقـتراع العام السري، والتمثيل النيابي، ومعظم وحدات ما يسمى حقوق الإنسان، والحريات الفردية… ولكن كل هذا من غير الكثير من جوانب الخلفية العقائدية التي يَستند إليهـا، لأن لديه خلفية بديلة مستـمَدة من تراث الأمـة، وهي ذات طبـيعة روحية، يسميها هذا الفريق “المرجعية الإسلامية”. وقد تشكلت على أساس هذه الرؤية جماعات سياسية، منذ عشرينيات القرن الماضي، ثم اتخذت شكل الجمعيات والأحزاب، وأخذت تناضل ســرًّا، في أغلبَ الأوقات، وعَـلنـًا في أوقات نادرة، من أجل الوصول إلى الحكم، ووضع برامجها، بهذه الخصوصية، موضع التنفيذ.
  • ونحـن لو أردنا أن نستعرض ما لبلدان العالم العربي ـ الإسلامي من تجارب في مجال التشكيلات والهيآت السياسية  ذات الخلفية الإسلامية لطال بنا الوقوف لديها، لأنه لا يخلو واحد منها من حزب أو أكثر. وإنما أردنا أن نخصّ “حزب حركة النهضة” التونسي بوقفة مختصرة ـ وقد نعود إليه بوقفة أطول، في مناسبة أخرى ـ لأنه بفوزه في الانتخابات التي جرت منذ أيام قليلة، قد فرض نفسه على جدول أعمال كثير من الدول والناس المتابعين للتطورات الحاصلة في “أقطار الربيع العربي”. وهو إلى ذلك يتحمل مسؤولية الرائد في أرض مجهولة.. ويكفينا في هذه الـعُجالة أن نبدي بعض الملاحظات في النقاط التالية:  
  • أولا ــ تـُنـْعَت “حركة النـهضة” في أدبيات جهات كثيرة ومتنوعة بالاعتدال. ويطابـق هذا الوصف عندها معاني الابتعاد عن “التـطرف” والمغالاة، والتشنج، والعنف في الأقوال والأفعال. ولعل صورة الوقار والهدوء التي يظهر بها شيخها، راشد الغنوشي، على شاشات التلفاز، أكسبت الحركة هذا الرصيد الممنوح لها من حسن الظن فيها. غـير أن قسما آخر من الناس (قد لا يخلون هم أيضا من بعض التطرف والغلو…) يرون أنه لا فرق في الأحزاب “الأصولية” بين معتدل ومتطرّف! الكل متطرف ينتظر فرصة الانقضاض على ما “في المجتمعات من معالم الحداثة والتقدم”!..
  •  ثانيا  ــ إن الحركات السياسية لا تـُعرف معالمُها الدقيقة، ولا تستبين للناظر ملامحُ وجهها الحقيقية بمجرد قراءة برامجها المعلنة، وخططها المنشورة… إن سمات وجهها لا تظهر على حقيقتها إلا عندما تتولى الحكم، وتعاني محنة مواجهة الناس بالمبادئ التي كانت تبشر بها، بَـدْءًا بقسم من أنصارها أنفسهم؛ فإن التحزب للمبادئ، وهي أطياف تسبح في فضاءات المثالية والتجريد.. مختلفة كثيرا عنها وهي تترجم إلى بنود قانونية، وترتيبات تطبيقية، قد تغيّر ما ألِـفـَه الناس من أنماط في السلوك، وعادات في المعيشة والعمل…
  •   ثالثا ــ إن أيّ حزبٍ، وبخاصّة إذا كان يوصف عند خصومه التقليديـّين بـ”الأصولي”، وكان يمارس تجربة الحكم لأول مرة، ينبغي له ألا يـَعُـدَّ حصوله على أغلبيةٍ ما، في أية هيئة كانت، نعمة خالصة من الشوائب. فسواء أتاحت له أن يحكم وحده، (وكل شيء نسبي)، أو أشرك معه غيرَه من الأحزاب، فإن ما قد تحصده البلاد من أرباح سيذهب الفضلُ في أكثره إلى ذلك الغير، وما قد تـُـصاب به من خسائر فسيتحمل عواقبها وحده، وتضاف أخطاء الغير إلى أخطائه، ويحاسب عليها جميعـًا حسابا عسيرا.
  •  رابعا ــ وأخيرا، رأينا أكثر المُـنـْصفين من المحللين يـُثـْنون على ما تبذله قيادات “حركة النهضة” التونسية من الجهد، الموصوف أحيانا بالتكتيكي، من أجل تبديد مخاوف الخائفين في الداخل والخارج.. وهذا، لـَعَمْري، شيء جيد لا جدال فيه، ولكن المهم أن يعرف أولئك القادة الحدود التي إذا بلغوها استنتج أنصارهم أن هذه ليست هي الحركة التي انخرطوا فيها، وصوّتوا لها.. ومكنوا خصومهم من اتهامهم بالانتهازية وتغيير الجلدة، وأنهم يُـنتخبون على برنامج، ثم يمارسون الحكم ببرامج غيرهم!! يعـني أنهم سيكونون كمن يمشي على الحبل، لا يسلم له السير، ولا يكون آمِنا له، بالميل كثيرا لا إلى يمينه، ولا إلى يساره. وهم على كل حال في امتحان، تـُفحص بالمجهر كل خطوة يخطونها. ونحن نتمنى لهم كل التوفيق لأنهم مخبر ميداني لتوليفة “الأصالة والحـداثة”.  
    [email protected]            
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • بدون اسم

    ربي يجيب ساعة الخير

  • kouach

    بارك الله فيكم يا دكتور .

  • نور الدين

    اذا اراد حزب النهضة في تونس ان يرسم نموذجا للحركات الاسلامية الوسطية في مختلف الدول العربية فعليه ان يلتزم الخطوات التي قامت بها الدولة الاسلامية اثناء تاسيسها بالمدينة المنورة من التدرج في تطبيق احكام الشريعة واشراك جميع الناس في عملية البناء واعادة النظر في برامج التعليم والخطط التنموية والاهتمتم بالكفاءات العلمية وانشاء مراكز البحث والدراسات في مختلف التخصصات وتعريب مختلف العلوم بما فيها التقنية والعلمية عن طريق بعث حركة الترجمة والافادة من خبراء ثقات ولو كانوا اجانب فالحكمة ضالة المؤمن انى وجدها فهو احق الناس بها

  • المبهج

    شكرا لك دكتورنا الفاضل , لقد اشتقنا إلى نفحات حديثك و عبق إطلالاتك و سلاسة كلامك وعمق أفكارك حول كل ماتعلق من مظاهر و سلوكات مشينة تنخر جسد الوطن وتعبث بقيم الأمة السامية . لقد قرأت سيدي بتمعن كل ما كتبت أعلاه ووجدتني أشاركك الأفكار التي أبان عنها يراعك بالجملة و بالتفصيل غير أنني في النهاية تمنيت عليك أن
    تطرح تصوراتك للحلول العملية و الممكنة التي من شأنها أن تشعل ضوءا في نهاية هذا
    النفق المظلم الطويل الذي حبست فيه الشعوب العربية و الاسلامية سواء من طرف حكامهم أو من طرف قوى الاستدمار الخبيثة .

  • أ.محمد

    القراءة الموضوعية للتاريخ لا تنطلق من العاطفة الذاتية أخي خالد فالفتح يبقى فتحا والحماية تبقى حماية أما الاحتلال فهو تدمير لشخصية أمة من الأمم فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسمي الفتح الاسلامي غزوا واحتلالا فشتان بين النور والظلمة

  • خالد

    تحية طيبة دكتور مع فائق التقدير و الاحترام.
    لكنني أعتقد بأن محاولة التوفيق بين الأصالة و المعاصرة هي محاولة مستحيلة ، و لنا الأسوة الحسنة في النهضة الأوربية فهي لم تقم بهذه التوليفة بل قامت على الانسلاخ من القديم و ابداع قيم جديدة تتجاوب مع الحاضر.
    لا أعتقد بوجود إسلام معتدل فهو دين لا يقبل التصرف فيه، إنه من وحي السماء و ما دام كذلك فهو فوق طائلة البشر.
    أعتقد يا دكتور بأننا سوف ننهض عندما نقرأ تاريخنا بكل شجاعة، قراءة موضوعية، و نسمي الفتح غزوا و الحماية العثمانية احتلالا، و نكف عن تبجيل السلف

  • بدون اسم

    و ما نقضوا عهد الله و عهد رسوله إلا سْْْلط عليهم عدوّ من غيرهمُ، فأخذ بعض ما كان في أيديهم ; و ما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله و تجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم .