مرّة أخرى: اتّقوا الله في أئمّة المساجد!
ما يُتداول على مواقع التواصل من منشورات ومقاطع تطعن في أئمّة المساجد، وتعليقات تعمّم الحكم على كافّة الأئمّة من دون استثناء، بخطأ يقع فيه واحد منهم؛ يدلّ على أنّنا متّجهون إلى فتنة حالكة كالحة، يفقد فيها المسلمون الثقة بكلّ من يُعظّم أمر الدّين ويدعو النّاس إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، بل ربّما يصل الأمر إلى تبنّي العلمانية المجتمعية التي تحرّض النّاس على إبعاد الدّين عن حياتهم، وقد يتطوّر الأمر عند بعض الناقمين على الأئمّة والعلماء والدّعاة إلى ترك الدّين واعتناق الإلحاد.
لسنا ننكر أنّ بعض علماء الأمّة ودعاتها، آثروا سلامة دنياهم على سلامة دينهم، بل إنّ منهم من باعوا دينهم بدنيا غيرهم، لكنّ هؤلاء –وإن كان ظهورهم هو الأكثر وصوتهم هو الأرفع- ليسوا هم الحجّة، والألقاب التي أغدقت عليهم والشهرة التي ألبسوها، كلّ ذلك يمثّل جزءًا من مكر الليل والنهار الذي حِيك لشباب الأمّة لقطع صلتهم بالعلماء الربانيين الذين يُوارَون وتوارى سيرهم ومواقفهم!
ولسنا ننكر –كذلك- أنّ بعض الأئمّة دخلوا مواقع التواصل بنية نشر الخير ومزاحمة الباطل والفساد، لكنّهم لم يراعوا خصوصية وحساسية تلك المواقع، فنشروا كلمات دفعتهم إليها غيرتهم لدينهم وحماستهم في الدفاع عن أوطانهم؛ طار بها المغرضون، وحملوها على أسوأ المحامل، ولم يكفهم إساءة الظنّ بقائليها، حتّى وجّهوا سهام الطّعن والتجريح بكلّ قبيح إلى الأئمّة جميعا!
الأئمّة بشر، وهم ليسوا على مستوى واحد من العلم وسعة الاطّلاع والوعي وحسن التقدير، لكنّ المغرضين لا يلتفتون إلى الخير الذي ينشر على أيدي وألسنة دعاة الخير، وإنّما همّهم أن تظفر أعينهم وآذانهم بزلّة لأحد الأئمّة، فيطيروا بها، ويقولوا للنّاس: “انظروا إلى أئمّتكم كيف يشترون الدنيا بالدّين، ويُحجمون عن قول كلمة الحقّ خوفا على مناصبهم”.. وقد وجد هؤلاء المتربّصون بالأئمّة بغيتهم وهم يرون المقاطع التي تتحدّث عن الأئمّة تلقى من المتابعة والإعجاب على مواقع التواصل أضعاف أضعاف ما يلقاه غيرها.
هناك حسابات على مواقع التواصل، يديرها جهلة يلهثون خلف المتابعات والإعجابات، لا يكلّون ولا يملّون من الطّعن في أئمّة المساجد بمناسبة وبغير مناسبة، بكلمات نابية وعبارات ساقطة.. وفي كلّ مرّة يتلقفون عبارة تنشر لأحد الأئمّة على مواقع التواصل ليجعلوها وقودا لحملة تعرف بدايتها ولا تعرف نهايتها. والمشكلة أنّ كثيرا من رواد المواقع يعجبهم ركوب مثل هذه الموجات التي تصنع لهم مشجبا يعلّقون عليه مصائب الأمّة، ليجدوا لأنفسهم بعض العذر في القعود عن أخذ الدّين بقوة والبحث عن موطئ قدم لنصرته!
في كلّ مرّة يظهر لك على مواقع التواصل مقطع يردّ فيه صاحبه على أحد الأئمّة. تتابع المقطع، فلا تجد فيه إلا التحامل وإساءة الظنّ والتعميم، بعيدا عن أيّ نقد عقليّ أو علميّ، وكيف للاهثين خلف الإثارة أن يردّوا بعلم وعقل وحكمة وبضاعتهم في هذا المجال مزجاة؟! المصيبة أنّهم يجدون المئات والآلاف من المعجبين والمؤيّدين، ما يحرّضهم على المزيد من البهت والتجريح!
لقد أضحى من واجب العقلاء أن يتصدّوا لهذه الحملة الآثمة، ويبصّروا شباب الأمّة بأنّ الأئمّة ليسوا سواءً، وأنّ الإمام هو أحقّ من يجب علينا أن نحسن به الظنّ، وأن نحمل كلامه على محمل حسن ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، وإن لم نجد وكان كلامه واضح البطلان، فلننظر إلى خطئه مقارنة بمحصلة سعيه وسيرته ومسيرته؛ فإن عُرف عنه تحرّي الحقّ وكان الخير الذي ينشره في النّاس غالبا –وهذه حال أكثر الأئمّة- فلنغمر خطأه وزلته في صوابه وخيره. أما إن وجدناه لاهثا خلف إرضاء المخلوقين على حساب دين الله فلنلقه جانبا ولا كرامة.
الأئمّة من جهتهم، يتعيّن عليهم أن يتقوا الله في شباب الأمّة، ولا يكونوا سببا في فتنتهم عن دينهم، وفي إعراضهم عن العلماء والدّعاة والأئمّة، لصالح المؤثّرين والجاهلين المنتفخين.. الإمام من واجبه أن يقول كلمة الحقّ ويبيّن للنّاس مراد الله في كلّ نازلة، بعلم وحكمة بعيدا عن الإثارة، فإن ضعف إيمانه عن ذلك، فليسكت، ولا يخض بما يفتن النّاس ويحرّضهم على العلماء والدعاة والأئمة.
الجهات الوصية، من جانبها، ينبغي لها أن تتقي الله في أئمّة المساجد، ولا تقحمهم في قضايا ومواقف، قد تعود عليهم بالانتقاص والإزراء بين العامّة والخاصّة، وتجني جناية منكرة على دور المنابر في الإصلاح والتوجيه.. المغرضون يتربّصون بأئمّة المساجد ليستغلوا مواقفهم وكلماتهم في صدّ شباب الأمّة عن الحقّ وجرّهم إلى الإلحاد والمذاهب الهدّامة، وإذا كنّا نريد للأئمّة أن تكون لهم كلمة مسموعة، فلنحرص غاية الحرص على حفظ مكانتهم بين النّاس.. نعم، إرضاء النّاس غاية لا تدرك، لكنّ تأليفهم والسعي لاستمالتهم إلى الحقّ والخير غاية لا تترك، والنّاس يرمقون مواقف الأئمّة في المحطّات المفصلية قبل أن يرمقوا كلماتهم في الأحوال العادية، وإذا استنفد الإمام رصيده بين النّاس بمواقف يخطئ في اتخاذها أو تملى عليه، فإنّ النّاس لن يثقوا بنصائحه ولن ينقادوا لتوجيهاته.. إنّنا نخشى أن لو ابتلينا بأزمة أو فتنة –لا سمح الله- واحتاجت الأمّة لكلمة من أئمّتها تغلّب العقل والمصلحة، أن نجد النّاس يتعمّدون مخالفة الأئمّة، بسبب ما يرونه رصيدا غير مرضي لمن يعتلون المنابر.