مستوردون ومصنعون “يسرقون” من جيوب الجزائريين!
تعرف أسعار بعض المواد الأولية والغذائية انخفاضا عالميا، منذ قرابة 8 أشهر، وهو ما يفترض أن يلقي بانعكاساته آليا على انخفاض الأسعار في الأسواق المحلية، لكن جشع مستوردين ومصنعين في الجزائر نادرا يواكب ذلك بتخفيض سعر مادة غذائية بعد تهاوي أسعار موادها الأوّلية في البورصة العالمية، ومن الأمثلة القليلة ما بادر إليه أحد المتعاملين في إنتاج “المارغرين” الذي صنع الاستثناء بتخفيض أسعاره في السّوق المحلية.
وطالبت، في هذا السياق، المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك “أبوس”، بتدخل أجهزة رقابية لضبط وحماية القدرة الشرائية للمواطن، بسبب ظاهرة استمرار ارتفاع أسعار مواد غذائية، رغم انخفاضها عالميا، فقلة من المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين، حسب المنظمة، من يُساير حركية الأسعار في الأسواق العالمية، في كلا الاتجاهين أي بالرفع والتخفيض، فتجدهم أحرص الناس على الزيادة وتبريرها، بينما يغضون الطرف عن أي انخفاض قد يسجّل.
وفي هذا الصّدد، نوّهت المنظمة، بقرار تخفيض سعر مارغرين “صول” و”لابال” بـ40 دج للكلغ، إثر انخفاض أسعار المادة الأولية عالميا.
هيآت رقابية للإطلاع على البورصة العالمية يوميا
وتأسّف رئيس المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، مصطفى زبدي في اتصال مع “الشروق”، لعدم وجود ما أسماه “ارتدادات” أسعار المواد الأوّلية بالبورصة العالمية على الأسعار في السوق المحلية، وقال “لطالما ندّدنا ببقاء أسعار منتجاتنا المحلية مرتفعة، في وقت تشهد انخفاضا عالميا”.
وثمّن المتحدث ما قام به بعض المتعاملين الاقتصاديين المسايرين للتطورات العالمية للأسعار، مؤكدا بأنه لا يقوم بعملية إشهار لهم “وإنّما من باب قول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، ولإعطاء كل ذي حق حقه”.
غياب منافسة محلية يبقي الأسعار مرتفعة
وأكّد محدّثنا، وجود تقلّبات عالمية في الأسعار، ولكن في ظّل غياب منافسة محلية في بعض الشعب، تبقى أسعار منتجات غذائية مرتفعة دوما بالسوق المحلية، و”هذا سلوك يمكن اعتباره شكلا من أشكال المضاربة”. ودعا زبدي إلى تنصيب لجان رقابية مطلعة على بورصة الأسعار العالمية، لمتابعة ارتداداتها على السوق المحلية.
وبدوره، حمّل رئيس الديوان بالإتحاد العام للتجار والحرفييّن، عصام بدريسي عبر “الشروق”، أصحاب المصانع والمستوردين، مسؤولية الإبقاء على الأسعار مرتفعة، رغم انخفاضها عالميا، مبرئا التجار من هذه الظاهرة.
وطالب بدوره، بوجود هيئة رقابية في هذا الإطار، تطّلع على أسعار المواد الأولية عالميا، وقال “كلما انخفضت الأسعار زاد الاستهلاك وانتعشت الأسواق المحلية، وهو ما ينتج حركية في الاقتصاد الوطني”.
الموز 190 دج عالميّا و500 دج محليا..!
وقال بدريسي، بأن الإبقاء على الأسعار مرتفعة في السوق المحلي “يعد نوعا من المضاربة المقننة، ولابد من الضرب بيد من حديد..إ ذ لا يعقل أن يتهاوى مثلا سعر فاكهة الموز عالميا، بينما تبقى أسعارها في ارتفاع متواصل ببلادنا، خاصة أنّ سعره الحقيقي لا يتجاوز 190 دج، بينما يبيعه التجار بـ500 دج للكلغ”.
ومن جهته، أكّد الخبير في التنمية الاقتصادية، عبد المجيد سجال لـ”الشروق”، بأن أسعار المواد الأولية ومدخلات إنتاج السلع والخدمات، تعرف تذبذبا في السوق العالمية بين ارتفاع وانخفاض، بينما نرصد العكس، لكن في السوق الجزائرية، لا وجود بها لأي انعكاس لهذا على أسعارنا، إلاّ نادرا.
وقال المتحدث “المتعامل الاقتصادي يحمّل بسرعة أعباء ارتفاع المدخلات للمستهلك، حتى يُحافظ على هامش أرباحه، وفي حال انخفضت أسعار المُدخلات مرة أخرى، يحافظ المتعامل الاقتصادي على نفس هوامش الربح، التي يعتبرها مكسبا ثابتا لا استغناء عنه”، ليؤكد بأن “مرونة الأسعار مع الارتفاع أكبر من مرونتها مع الانخفاض”.
يستغلون “جهل” المستهلك والتاجر بأسعار البورصة العالمية
ويرى سجّال، بأن المتعامل الاقتصادي، يستغل نقطة “عدم دراية” المُستهلك وتاجر التجزئة ببورصة مُدخلات إنتاج السلع والخدمات عالميا. وهذا الضعف في المعلومات يستغله المتعامل الاقتصادي والمستورد لتعظيم أرباحه.
ولهذا تسعى الدولة، ممثلة في وزارة التجارة إلى تقنين تبرير أسعار الاستيراد “حيث لن يتمكن أي مستورد مستقبلا من استيراد شيء من دون تبرير للأسعار ومن دون تحقيق مواز” .
إنشاء منصّة رقمية لاستعراض البورصة العالمية
ويقترح خبير التنمية الاقتصادية، إنشاء منصة رقمية لاستعراض البورصة العالمية يوميا، بخصوص أسعار المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، لأنه باستعمال الذكاء الاصطناعي يمكن التنبؤ اليوم بانعكاسها على المنتجات الاستهلاكية وأسعار التجزئة، مع تأسيس شركة لاستيراد المواد الأولية، التي تدخل في صناعة السلع واسعة الاستهلاك، على أن تقوم هذه الشركة ببيع تلك المواد للمصانع المحلية التحويلية بهامش ربح ضئيل، يساهم في تقليص تكاليف الإنتاج، وكذا تسقيف هامش ربح تلك المواد واسعة الاستهلاك عبر الفوترة الإلكترونية .
كما اقترح المتحدث، استبدال “التسعير الإداري البيروقراطي بالتسعير التنافسي”، وذلك من خلال دخول الدولة كمنافس في سوق السلع والخدمات واسعة الاستهلاك، حتى نضمن ما يسمى بالأسعار المرجعية، التي لن يستطيع معها القطاع الخاص ممارسة احتكار القلة، قائلا “يمارس القطاع الخاص في بيئة غير تنافسية، سلوك استغلال وابتزاز جيب المواطن”.
وأكد أن السعر النهائي لأي منتج، هو عبارة عن حزمة من المعلومات، إحدى هذه المعلومات هي البورصة العالمية، وتكاليف النقل والشحن، إضافة إلى تكاليف اليد العاملة العالمية والمحلية، وتكاليف الطاقة والبيئة التنافسية، السياسة الجبائية، وعدد الوسطاء بين المنتج والمستهل ، وإذا “أردنا ضمان أسعار في متناول المواطن، علينا التحكم في هذه المحطات التي يمر بها المنتج وصولا إلى المستهلك”.