ملابسات صفقة؟
أقل ما يمكن أن يقال عن الصفقة التي أبرمت بين حركة حماس الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية لتبادل الأسرى، أنها كانت غريبة غير منتظرة في هذا الظرف الفلسطيني بالذات…
- إذ كيف تصبح حركة حماس بين عشية وضحاها شريكا لإسرائيل في هذه الصفقة الخطيرة، وهي المصنفة من طرف إسرائيل وأمريكا وكل الدول الغربية ضمن المنظمات الإرهابية العالمية المطلوب القضاء عليها إلى جانب القاعدة وحزب الله..؟
- إن وجود الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الأسير لدى حماس منذ عدة سنوات ضمن الصفقة لا يمكن أن يفسر لوحده هذا التنازل الإسرائيلي الصاعق لصالح عدوها الأكبر في فلسطين والمنطقة. كما أن إطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني في المقابل من السجون الإسرائيلية لا يمكن أن يفسر لوحده هذه الصيحة بالنصر التي تطلقها حماس. فالجندي الإسرائيلي لا قيمة له لدى الحكومة الإسرائيلية إلا بقدر ضغط عائلته واستعماله من قبل الدعاية الإسرائيلية في إظهار اهتمام السلطات الإسرائيلية بمواطنيها كدولة مواطنة وديمقراطية، وهو ما لا يمكن بطبيعة الحال أن يدعو إلى كل هذا التنازل الكبير الذي يمثل شبه اعتراف بحركة حماس. وإطلاق سراح هذا العدد الكبير من الأسرى الفلسطينيين لا يمكن أن يكون السبب الوحيد في ذهاب حماس إلى التعامل المباشر مع إسرائيل على الرغم من نكرانها الحازم لوجود الدولة العبرية على الأراضي الفلسطينية، وهو المبدأ الذي جعلت منه مبرر وجودها منذ نشأتها، ثم إن حماس وكل الفلسطينيين يعرفون أن هؤلاء الأسرى المفرج عنهم ومهما كان عددهم والتهم الموجهة إليهم والأحكام الصادرة ضدهم سيعودون عاجلا أم آجلا إلى السجون الإسرائيلية وربما تكون للحكومة الإسرائيلية خطة جاهزة لإعادة اعتقالهم حتى قبل إطلاق سراحهم، وهذا ما عودت إسرائيل الفلسطينيين عليه منذ سنة 1948.
![]()
- فماذا وراء هذه الصفقة إذا؟ وماذا تخبئ لحاضر ومستقبل القضية الفلسطينية وأوضاع الشعب الفلسطيني؟
- الجواب على هذه الأسئلة صعب قبل مرور أيام أو أسابيع، ولكنه يحيل حتما على ما حدث قبل هذه الصفقة بأسابيع قليلة عندما التقت مواقف كل من حماس وإسرائيل على رفض مشروع الدولة الفلسطينية الذي طرحته السلطة الفلسطينية والجارية مناقشته حاليا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإن كان لكل طرف أسبابه وأهدافه الخاصة المختلفة جذريا. وما يخشى هو أن يكون هدف حماس مجرد إلحاق الضرر بغرمائها في السلطة الفلسطينية من خلال محاولة إثبات أنها قادرة على تحقيق مكاسب للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية لا تقدر السلطة الفلسطينية ولا حتى الدولة الفلسطينية المنشودة على تحقيقها، وهذا ما يجعل مشروع إسرائيل واضحا من هذه الصفقة، وهو أن تقول للمجتمع الدولي أن لا فائدة من الاستماع إلى السلطة الفلسطينية ومحمود عباس عندما يتحدث عن إقامة الدولة الفلسطينية مادام شركائي الجدد الذين تعاملت معهم في أهم قضية وهي قضية الجندي الإسرائيلي والأسرى الفلسطينيين يعارضون قيام هذه الدولة.
- ومع ذلك لا يمكن إطلاق الأحكام المسبقة على موقف حماس، لأن ما هو آت من مشروع الدولة الفلسطينية الذي ستستغل إسرائيل علاقاتها الفلسطينية الجديدة لتفرض على الأمم المتحدة ومجلس الأمن رفضه سيكون هو المحك لكل الفصائل الفلسطينية، فعندها سيضطر كل الفلسطينيين إلى الانصهار في بوتقة واحدة لإحياء شرعية المقاومة والانتفاضة، إذ سيكون البديل عن الدولة هو الاستعمار وشرعية مقاومة الاستعمار.
