من “الطرقية السياسية” إلى السياسة الطرقية
هاتان جملتان تلخّصان حال الجزائر في فترتين زمنيتين، ورغم بُعد ما بينهما فهُما متشابهتان على “مذهب” الشاعر العربي القديم الذي اصطاد غزالة فوجد تشابها كبيرا بينها وبين صاحبته، أمّ أولاده، فأطلقها وهو يقول لها: “فعيناش عيناها، وجيدش جيدها”، أي فعيناك عيناها، وجيدك جيدها، على لسان بعض قبائل العرب التي تنطق كاف المخاطبة شينا، وما تزال بقايا من هذه القبائل إلى الآن في منطقة الخليج والعراق، اللذين كانا عربيين قبل أن “تُفرّسهما” إيران تحت غطاء “التشيّع” الكاذب و”الغامض”..
أولى هاتين الفترتين كانت في العهد الفرنسي الأخبث، والأتعس، والأنكد، والأظلم، والألعن، والألئم.. و…على وطننا من فجر تاريخه إلى يوم الناس هذا، وثانيتهما في عهدنا “السعيد”، الذي صار فيه حتى “الشقاء في خطر”، كما قال الكاتب الجزائري الفرانكوفوني اللسان، العروبي الروح والجنان مالك حداد.. ولا صلة بينه وبين سميّه الآن. الجملة الأولى “الطرقية السياسية”، حقوقها محفوظة من قبل أن يُنشأ ما يسمى “الديوان الوطني لحقوق المؤلف”، الذي يشبه “ديوان الصالحين”، وهي للإمام محمد البشير الإبراهيمي، ذي “البدائع” اللغوية، وقد كتبها في العدد الثاني من جريدة “البصائر”، الصادر في 1 أوت 1947.
دخل المسلمون بعد القرون الخمسة الأولى من الإسلام فيما يسمى “الطرقية” التي أساء كثيرٌ منها إلى الإسلام، فقد أدخل جُهّالها تحت غطاء “التصوف” و”العلم اللّدنّي” ما أدخلوا في الدين الإسلامي الحنيف، وقد ثار على ذلك صالحو التصوّف السني أنفسهم.. فلا يظننّ الناس أن الثورة على هذه البدع كانت بنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فمن قبلها كان الشيخ عبد الرحمان الأخضري، وكان ابن الفكون… وقبيل عهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان الشيخ صالح ابن مهنّة، وعبد القادر المجاوي اللذان “حملا في نهاية القرن الماضي (التاسع عشر) في قسنطينة لواء هذه الحركة”. (ابن نبي: المذكرات ص 65. ط 1984).
ما كادت جمعية العلماء تنتهي من معركتها مع الطرقية الدينية المنحرفة حتى نجم قرن طرقية جديدة، هي التي سماها الإمام الإبراهيمي “الطرقية السياسية”، التي لم تُبنَ على “التقوى الوطنية”، وإنما أسّست على “هوى النفس”، حتى ظُنّ أن الجزائر لم تكن شيئا مذكورا لو لم يكن من وصفته وثيقة “مؤتمر الصومام” فيما بعد بـ”الدّيك” الذي يُخيّل إليه أن الشمس تشرق لصياحه.
لقد أبلت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين البلاء الحسن في نشر “الإسلام الصحيح” كما يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي، ولاقت من سدنة البدع والخرافات ما الله به عليم، ولكنها صبرت وصابرت حتى تبيّن لأكثر الناس الرشدَ من الغيِّ، فانفضوا من حول أولئك السّدنة، بل إن بعض الطرقيين آتاهم الله –عز وجل– رشدهم فانضموا إلى الحركة الإصلاحية، وأدخلوا أبناءهم إلى مدارس جمعية العلماء ومعهد الإمام ابن باديس..
ماكادت جمعية العلماء تنتهي من معركتها مع الطرقية الدينية المنحرفة حتى نجم قرن طرقية جديدة، هي التي سماها الإمام الإبراهيمي “الطرقية السياسية”، التي لم تُبنَ على “التقوى الوطنية”، وإنما أسّست على “هوى النفس”، حتى ظُنّ أن الجزائر لم تكن شيئا مذكورا لو لم يكن من وصفته وثيقة “مؤتمر الصومام” فيما بعد بـ”الدّيك” الذي يُخيّل إليه أن الشمس تشرق لصياحه، ووصل الأمر بـ”مريدٍ” من مُريديه أن قال في “هملة” “انتخابية” لمن كان يخطب فيهم: “فوطيوْ عليّ الصباح، نجيب لكم الاستقلال في العشية”..
وكما بارك الله في “جمعية العلماء” فقضت على “الطرقية الدينية” المنحرفة، طلعت شمسُ الثورة المباركة فأطفأت قنديل “الطرقية السياسية” التي استنكف “شيخُها” أن يعمل مع إخوانه وأبنائه، وأبى إلا أن يكون هو”القطب” السياسي.. فكانت عاقبته خسرا..
وأما الجملة الثانية في العنوان “السياسة الطرقية” فهي مما فتح به الله عليّ بعد تأملي في هذه “الزّردات” التي يقيمها “شخص” وتقام له في بعض الزوايا كمقبّلات (ord-œuvre) “للوعدة” الكبيرة التي يتهيأ لها، أو يهيِّئه لها الذين يروننا ولا نراهم، المتخصصون في تبييض الأعمال والأموال.
فعلى أخواننا أصحاب الزوايا الخالية من البدع، والنظيفة من المال السُّحت أن يبتعدوا ويبعِدوا عنهم وعن زواياهم “مشعوذي السياسة”، ورحم الله الشاعر القائل:
فإلى الله المشتكى من زمان فاسد جاءنا بكل عجاب
ورحم الله الإمام ابن باديس القائل:
“إن تُسلم تندم، ولا تعتقد حتى تنتقد”. (البصائر في 11/3/1938.ص3.