من الواه إلى مخيتر ودروق.. رحلة في روائع اللهجات الجزائرية
الجزائر، البلد القارة، من شمالها إلى جنوبها، عادات وتقاليد، من شرقها إلى غربها، تراث ولهجات.. في كل مكان لهجة جميلة، مستمدة من الامتداد التاريخي للمكان، من التأثيرات الخارجية، ومن الأصالة.. سواء كانت من أصل أمازيغي أم عربي أم تركي، أم متأثرة باللغات الأخرى. الشروق العربي، تأخذكم في رحلة في قواميس اللهجات الجزائرية الجميلة.
مسلسل الرباعة، الذي بث على قناة الشروق، سافر بالمشاهدين في ربوع الوطن، عبر اللهجات المحلية، البديعة في نطقها، في فهمها، في أقوالها وأمثالها..
تُعدّ اللهجات الجزائرية مزيجا لغويا يعكس تعاقب الشعوب والثقافات على أرض الجزائر. فالأصل الأمازيغي يبقى القاعدة الأولى التي انطلقت منها هذه اللهجات، قبل أن تتعزّز بدخول العربية مع الفتح الإسلامي، في القرن السابع الميلادي، لتصبح اللغة العربية لاحقًا العمود الفقري للتخاطب اليومي.
ولم تقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ تركت الحضارات المتوسطية القديمة، كالرومانية، بصمات لغوية خفيفة، تلتها إضافات من العهد العثماني، خاصة في بعض المفردات المتداولة في الحياة اليومية. غير أن التأثير الأبرز في العصر الحديث، كان للغة الفرنسية، نتيجة فترة الاستعمار، حيث تسللت العديد من الكلمات إلى اللهجة الجزائرية.
السطايفية.. للكلمة رنة
هي من أجمل اللهجات الجزائرية. فهي نغمة خاصة، ومفردات لا تجدها في مكان آخر. فمثلا، حدر، يعني نزل، وهي عربية. أما نشتي، فهي نحب، وهي نشتهي بحذف الهاء. كلمة دنق بمعنى انظر، تعني لغويا دقق في النظر. حين يطلب منك في سطيف أن تجلس، يقال لك: ابسط، من البسط.
الكواغط، تعني الأوراق، واللفظ دخيل من الفارسية أصله: كاغد، وأبدلت داله طاء.
الطلاعة في السطايفية، تقصد بها القفة، وفي العربية طلاع الشيء ملؤه. طارش والمطارشة تعني يرمي بالحجارة. من روائع الكلمات السطايفية تزورنت وبلهزت وتتمجعر، وحين تسمع أحدا يقول: سمعت وجه تكلم.. هذا يعني أنه سمع طلقا ناريا. الصيوانة، تعني المظلة، والبلنج هو قفل الباب.

روائع اللهجة السكيكدية
اللهجة السكيكدية مزيج من الكلمات المتجدرة في التاريخ، بين الأمازيغية والعربية وحتى الفرنسية، والخوض فيها يحتاج إلى الكثير من التركيز. مثلا، كلمة ماكاه تعني لا يوجد، وماها تعني لا النافية، ونلهث، تعني أبحث. وفاينك، يقصد بها أين أنت؟ وحين تسأل في سكيكدة: لماذا تبحث عن شيء ما؟ فسيقال لك: لاماه ليك بيها. وإن سمعت أحدا يقول: شوبعطين جا فهو يريد القول هل جاء أحد ما. فرونجا كلمة أصلها فرنسي، وتعني أخي. قاسني بالسكيكدية معناها مختلف عن باقي المناطق، فهي لا تعني أصابني، بل يقصد بها الظن. نسر ليس طائرا جارحا، بل كلمة تعني اهرب بسرعة.
اسأل بالجيجلية
اللهجة الجيجلية لهجة جميلة وعفوية، وكلماتها ليست بالسهلة على الكثير من الناس، فهي تنجم عن عوامل تاريخية حضارية اجتماعية. من بديع اللهجة الجيجلية، أدوات الاستفهام، فهي تختصر جمال اللهجة. أين تقال فاين، وإلى أين تقال لاين، ومناين تعني من أين؟ فَايْوَقْ تعني في أي وقت. بيّش وعليّش وفيّش وديّش، تستخدم في اللهجة الجيجلية في بداية الجملة الاستفهامية، لطلب المعلومات.
الزقلامية لهجة الجسور المنقرضة
قسنطينة هي غرامي مطلع لأغنية المالوف الشهيرة، التي تفتخر بجمال المدينة وجسورها، بأهلها وبلهجتها.. لكن أجمل ما في اللهجة القسنطينية القديمة لهجة اختفت تقريبا، يقال إن اسمها الزقلامية أو الزقلاجية. وهي ليست لهجة بحد ذاتها، بل طريقة تواصل سرية لا يفهمها سوى قلة قليلة، ولا يعرف أحد لماذا سميت هذه اللغة بهذا الاسم، فضلا عن كونها كانت لغة شفهية لم تكتب أبدا، وليست لها قواعد. لذلك، لم يؤرّخ لها أحد، والمكان الوحيد الذي توجد فيه هو ذاكرة كبار سكان المنطقة.
تعتمد “الزقلامية” على إضافة حرف أو حرفين، وحتى أكثر عادة ما تكون “الفاء والياء والباء” مجتمعة، وفي مرات أخرى يضاف حرف “الزاي” فقط للكلمات. وهذا هو التشفير الذي يجعلها غير مفهومة عند من لا يعرفها.
فمثلا، تتحول عبارة صباح الخير، بإضافة الفاء والياء والباء إلى “صبفيباح الخيفيبير.
لهجة المحروسة
اللهجة العاصمية، من أحب اللهجات في الجزائر، كلماتها موزونة ونغماتها مريحة للسمع. وأهل العاصمة لا يتكلمون بل يستعملون المعاني والأمثال. ويقال: يمعني، أن يضرب مثلا أو يقصد شيئا خفيا.
هنا، بالعاصمية، تضاف الشدة، آجي يعني تعال غدوة، تعني غدا لكن بالعاصمية يقال غدا بالشدة. ناد عليه تقال: ازقيلو، يخز بيك، يقصد بها يستهزئ بك. يواسي تعني بالعاصمية يعمل أو يقوم. العاصمية لا تقول زوجي أو راجلي، بل ترفعه إلى صاحب البيت، فتقول مولا بيتي. والجدة يقال لها ماني، والجد بابا سيدو. صحن البيت، يقال له السحين، والمدرسية مسيد. أما الألوان في اللهجة العاصمية، فلها جمالية منفردة، فيقال اللون فاروزي وحشيشي وتبني وفريكي وخوخي ونيلي، وطرطري. الإبرة في العاصمية يقال لها مفيتحة، والمكتوب هو الجيب. الآن في اللهجة العاصمية تقال دوق أو دروق، والقميص يقال له كاساكا. ومن أجمل الأمثلة العاصمية التي تعكس ثراء اللهجة وعمق معانيها: شد قمقومك حد ما يلومك.
الدلسية الغرناطية
لهجة مدينة دَلَّسْ القديمة لها خاصية تميِّزها عن باقي اللهجات. فهي قريبة من اللهجة القديمة لمدينة الجزائر، إذ تُحوِّل حرف القاف إلى كاف، وفي السابق حرف التاء (ت) إلى تْسَاء.
تجدر الإشَارة إلى أن هذا النوع من النُطق أصله أندلسي غرناطي، وهو موجود في مختلف الجهات التي استوطنها أهل الأندلس وأحفادهم الموريسكيون، قبل قرون، من جيجل وبجاية وقسنطينة ومدينة الجزائر وشرشال إلى تلمسان.
وبالإضافة إلى كل ذلك، يعمد اللسان الحضري في مدينة دلس إلى تصغير الأسماء، على غرار استخدام اسم “الرّْمِيلَة” بالنسبة لـ: “الرَّملة”، و”مْوَيَّسْ” بالنسبة لـ: “مُوسْ”، و”قْطَيَّطْ” و”شْوَيَّخْ” و”بْنِيتَة” و”عْوِينَة” (عين) و”صْنِيدَقْ” و”شْوِيبَّة” و”حْوِينْتَة”، وأيضا “مْخِيتَرْ” بالنسبة لـ: “مُخْتارْ”.