من مصادرة التعريب إلى تعريب المستورد
بتاريخ 26 ديسمبر أصدر وزير التجارة تعليمة لأرباب شركات “الاستيراد والاستيراد” تمنحهم مهلة شهر لتوطين نشاط “تعريب” هويات البضائع المستورَدة الذي كان متروكا للمنتجين، وكان يكلف الخزينة العمومية سنويا ما يقارب 600 مليون يورو حسب الوزارة.
التعليمة أعادت إلى الأذهان القرار الذي كانت قد اتخذته حكومة أويحيى سنة 2009 والتزمت به الحكومات المتعاقبة، في واحد من القرارات الحكومية النادرة لصالح “خيار تعريب المحيط”، منذ أن تخلت الدولة عن قرار سيادي كان قد اتخذ زمن الحزب الواحد، ونسفه حزب فرنسا ليحبط معه مسار تعريب الإدارات باستعراض نفس الحجج المتخفية تحت شعار الكلفة.
بعض وسائل الإعلام والمواقع المفرنسة استغلت صدور التعليمية لتطلق حملة معادية للقرار بحجة أنه كلف الخزينة والمستهلك ما بين أربعة وخمسة مليار يورو في ثماني سنوات، وهو “حق يراد به باطل” وكان حريا بمن عارض أن يلزم الحكومة بمحاكاة بعض الدول العربية التي نجحت في تحميل المنتجين كلفة تعريب تغليف البضائع.
وحيث أن الحكومة قد فرضت إرادتها على موردي السيارات بما هو أهم من تعريب التغليف، بتوطين جزء من القيمة المضافة عبر توطين نشاط التركيب، فإنها أقدر على إغراء منتجي بقية البضائع بتوطين صناعة التغليف بما فيها تعريب بطاقات تعريف البضائع، وهي أنشطة لا تحتاج إلى تكنولوجيا خارقة ولا حتى إلى استثمارات مكلفة.
وربما كان على وزير التجارة وسلفه أن يطرحا على زملائهما العرب مشروعا عربيا مشتركا يلزم المستفيدين من السوق العربية بتوطين هذا الجزء من النشاط، بل كان بوسع الوزارات الاقتصادية في العالم العربي أن توحِّد طاقاتها وخبراتها في مجال التصدير والاستيراد، وتلزم المستفيدين من سوق عربية بأكثر من 300 مليون مستهلك بالتعامل معها كسوق لها خصوصياتها ومصالحها التي ينبغي أن تراعى في عالم مفتوح محكوم بالتنافس.
هذا النوع من العمل العربي المشترك لا يحتاج لا إلى قيام سوق عربية مشتركة ولا إلى توحيد العملة أو توحيد النظام الجمركي، بل كان بوسع وزراء التجارة العرب البدء بتكوين دواوين مشتركة تتفاوض مع الدول المعنية بالسوق العربية حول المقاييس المطلوبة في أيِّ سلعة يُرخَّص لها بالدخول إلى السوق العربية، ليس تعريب التغليف فيها سوى محض تفصيل مقارنة مع مقاييس الجودة والسلامة.
ومع الخلافات الكبيرة التي تطال مختلف أوجه العمل العربي المشترك، فإن وزراء الداخلية العرب قد أظهروا أكثر من مرة كفاءة عالية في ترقية العمل الأمني العربي المشترك حتى بين دولٍ هي في خصومة دائمة، ربما لأن هذا النشاط هو الوحيد المسموح بشأنه قيام عمل عربي مشترك لأنه يضمن للغرب خفارة ذات كفاءة، وأن الغرب الذي لم يشفع للعرب قرار توظيف سلاح النفط في دعم الموقف العربي في حرب أكتوبر 1973 لن يسمح لهم أبدا ببناء أي شكل من أشكال التعاون والتضامن، ما دام يمسك بدفة اختيار النخب الحاكمة: إما عبر دعم الاستبداد حيث يخدمه الاستبداد، أو عبر المسارات التعدُّدية الموجَّهة عن بعد، أو عبر “الانقلابات العلمية” بالثورات على الأنظمة وبالأنظمة على الثورات، بالقوة الناعمة إن أمكن، أو بواسطة حروب الجيل الثالث وأدوات الفوضى الخلاقة.