من يُريد جرّ الشارع إلى الفوضى؟
حمل متتبعون للشأن السياسي المرشحين للانتخابات الرئاسية مسؤولية انزلاق الحملة الانتخابية نحو العنف، في سابقة أولى لم يعرفها المشهد السياسي، بدعوى تعمدهم التشخيص في خطاباتهم، فضلا عن تبني أساليب استفزازية في بعض الأحيان، منتقدين طول مدة الحملة الانتخابية التي جعلت الجميع يعيش على الأعصاب.
وأعرب محللون وكذا ممثلو تنظيمات حقوقية عن قلقهم إزاء انحراف الحملة الانتخابية الخاصة بالاستحقاقات الرئاسية نحو العنف والتطرف، معتقدين بأن مضمون الخطاب السياسي الذي تبناه مختلف المرشحين للرئاسيات، كان له دور مباشر في شحن الرأي العام، وتأجيج الشارع في بعض المناطق، على غرار ما حدث مؤخرا بولاية بجاية، ويعتقد الأستاذ عبد العالي رزاقي بأن العنف الذي قوبل به عبد المالك سلال، ممثل المترشح الحر عبد العزيز بوتفليقة ببجاية، هو نتيجة العنف اللفظي الذي صاحب الحملة الانتخابية منذ انطلاقها، إلى جانب الدور السلبي الذي قامت بعض الوسائل الإعلامية، التي أقحمت نفسها في اللعبة السياسية، موضحا بأن خطابات مختلف المرشحين أضحت استفزازية، وأن الرشق بالحجارة الذي تعرض له سلال أو الرشق بعلب الياغورت الذي تعرض له أحمد أويحيى، هو جزء من حالة الغليان التي يعيشها الشارع، بسبب عدم التحكم في خطاب الحملة الانتخابية، الذي كان ينبغي أن يركز على البرامج، وذكر على سبيل المثال خطاب المترشح الحر علي بن فليس، الذي تعهد في العديد من المرات بعدم السكوت في حال كان التزوير مآل الاستحقاقات المقبلة، قائلا: “هذا دليل بأن هناك نوعا من الخطاب الذي يحمل في طياته العنف”. ويضيف الأستاذ رزاقي بأن السلطة ارتكبت من جانبها أخطاء حينما حرفت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ثم قال سلال بأن هذا المسؤول جاء ليؤيد بوتفليقة، “فهذا في حد ذاته مساس بالآخرين”، مؤكدا بأن باقي المترشحين جنحوا هم أيضا من خلال خطاباتهم نحو العنف، حتى يشعروا الآخرين أو يوهموهم بأن لديهم القوة والأنصار في الشارع، معتقدا بأن الإشكالية لا تقتصر فقط على التصعيد خلال الحملة الانتخابية، وإنما هي في التصعيد الذي قد يكون يوم الإعلان عن النتائج، “فكل طرف سيتحرك إذا ما أخذ نسبة متدنية”، مبررا هذه المخاوف بأنه وراء كل مترشح رجال المال الذين صرفوا الملايير أثناء الحملة، وأن احتقان الشارع قد يستغل لصالح هذا أو ذاك في حال عدم فوزه أو شعوره بوجود تزوير.
وانتقد رئيس اللجنة الاستشارية للدفاع عن حقوق الإنسان مصطفى فاروق قسنطيني طول مدة الحملة الانتخابية، معتبرا بأن استمرارها على مدى ثلاثة أسابيع كاملة هو شيء مبالغ فيه نوعا ما، بحجة أنه خلال الأسبوع الأخير أصبح كل طرف يعيش على أعصابه، وهو يرى بأن التجربة بينت بأن الأسبوع الأخير من الحملة لا جدوى منه، واصفا الأحداث التي شهدتها بجابة بغير المعقولة وغير المقبولة، رغم أن حرية التعبير هي حق يكفله الدستور، في حين إن مجهولين تصرفوا بعنف ضد مترشح معين، ودعا قسنطيني كي تسير الأمور في شفافية، وأن الاحتجاج يكون بعدم التصويت على أي مرشح لا يلقى الاستجابة أو القبول، دون استعمال العنف، منتقدا خطابات بعض المترشحين الذين قال عنهم بأنهم ليس لديهم الخبرة، وعوض أن يركزوا على إصلاح البرامج أخذوا يتحدثون عن الأشخاص، فانحرفت الكثير من الخطابات نحو التشخيص، وهذا ما أدى إلى شحن الشارع، فضلا عن طول الحملة الانتخابية، الذي جعل المواطنين يفقدون أعصابهم، إلى درجة أنهم أضحوا ينتظرون موعد 17 أفريل بفارغ صبر، كي تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، بعيدا عن المشاحنات السياسية. ويصف رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان يوم الاقتراع بالموعد الحاسم، غير مستبعد وقوع أحداث مماثلة إن لم تتخذ التدابير والاحتياطات اللازمة، لكن في إطار التصرف بعقلانية.
ويعتبر رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، حسين زهوان، في تصريح لـ “الشروق”، بأن الصراع موجود أصلا داخل المجتمع، بسبب عجز النظام عن حل مشاكل المجتمع في إطار سلمي وعاجل، لكونه يحمل في طياته الأزمة، بدليل أن البلاد تتعرض كل خمس سنوات، وكلما تزامن الظرف مع انتخابات رئاسية لأزمة سياسية. ويرى المتحدث بأنه ولا واحد من بين المترشحين بإمكانه تقديم شيء لتجاوز هذا الوضع، بدعوى أن هؤلاء هم أيضا جزء من الأزمة، داعيا الجميع إلى تجنب العنف مهما كان الموقف من نتائج الاستحقاقات، وأن يتم انتهاج أسلوب التغيير السلمي. ودعا من جانبه الأستاذ زهير بوعمامة إلى التعقل، معتقدا بأن هناك من يريد الدفع إلى الاحتقان، داعيا المترشحين إلى تبني خطاب مسؤول، وأن يكون التعبير عن الرفض بالطرق السلمية.