مناراتٌ إسلامية لحلف دفاعي مشترك
كثرت المحاور والتحالفات والاتفاقات على إدارة خلاف سياسي بأدوات أمنية، خلافٌ مرجعه إلى الثقافة الروحية التي صبغت المنطقة كلها بصبغتها التاريخية المعلومة. إن النزوع نحو المغالبة بين مكوِّنات الأمة الواحدة لا يزيد الاختلاف إلا حدَّة واشتعالا وتدميرا، الأمر الذي سيصب لمصلحة أعداء الأمة من اليهود والنصارى في نهاية المطاف.
اتفاقٌ ثلاثي
من المبكر جدا التعويل على مولود لا يزال غضا طريا لم يشتد عوده بعد ليجرب حربا حقيقية. الموقعون على الاتفاقية لم يعلنوا هويتهم الإسلامية السنية كراية للدفاع المشترك، فقد أتوا قصر الصفا بمكة المكرمة غير مضطرين، كي لا أتسرَّع وأقول إن باكستان وتركية نيّاتهما الحقيقية اقتصادية؛ لأن ما بأيديهما من بأس محضُ قوة رادعة في حروب بين جيوش نظامية، لا في حروب استنزافية، دربت على خوضها تنظيمات قتالية، قد اكتوت باكستان بلظاها مع طالبان، وذاقت ويلاتها تركية مع حزب العمال. ولعل أهم ما يضعف موقف هاتين القوتين في هذا الاتفاق المشترك ألا مصلحة لأي منهما في معاداة الشيعة والزيدية، وهم من عموم الأمة المحمدية. لقد كانت الحكمة السياسية خلال تاريخنا الطويل هي ما يحدو أولي الأمر والنهى، فلم يجمعوا بها سيفين اثنين في غمد واحد، بل جمعوهما على قتال الغزاة في صف واحد.
ثالوث هذا الاتفاق الدفاعي ومن سيلحق به لن يكون أكثر قوة من الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تستطع أن تحسم حربا خاضتها، وآية ذلك حجم الإنفاق العسكري إذا ما أخذناه مؤشرا على المقارنة. وهذا الثلاثي المسلم -وإن كان يتمتع مُجتمِعا بميزة التكامل- إلا أن تناقضات جمة تشوب بنيته الأساسية؛ فكل واحد من أعضائه أتى بكّة يحمل سوارا في معصمه أو في قدمه بيد البيت الأبيض وحده مفتاح غلقه وفكّه. ثم إن بقاء تركية ضمن هذا الحلف مرهونٌ بنتائج انتخاباتها الداخلية التي يحتدُّ الصراع فيها على الدوام بين توجهين متناقضين يتجاذبان هوية هذه الدولة، والتي لا يملك فيها أردوغان وحزبه إلا تفوقا عدديا يسيرا.
كما أن باكستان تواجه حربا وجودية مع الأفغان، الطامحين لاستعادة الوحدة البشتونية، كما تواجه السعودية حربا ضروسا مع الحوثيين. وإن ما قاله وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” عن سلامة الأعضاء الموقِّعين من النيات التوسعية لا يتوافق مع سلوك تركية الحاضر في أماكن عدة من العالم بحجة “الجغرافيا العثمانية”. وما ذكره الوزير عن ظلال رافقت الاتفاق في صياغته الدفاعية استوحيت من حلف “الناتو” ينمُّ عن غياب النظرة الخاصة بالأمة لمستقبل منطقة تعدّ قلبها النابض، ورؤية أمتنا للحل وحدوية لا اقتتال فيها بين المسلمين، بل اصطفافٌ يجمعهم كالبنيان المرصوص في وجه المعتدين.
من ينتسب إلى العلم والعلماء يجب عليه أن ينأى بنفسه عن مواطن الشُّبهات، لأن الحملة الصليبية الجديدة للسيطرة على المضايق وافتكاكها من إيران وحلفائها لا تصبُّ في مصلحة الأمة بتاتا، مصلحة الأمة نجدها في وجهة أخرى تماما؛ لذلك فإن حملة “ترامب” بجيشه العرمرم على بلادنا اتخذت أبعادا وحركت سواكن، وإن تفعيل الغزاة لبيادقهم السياسيين في المنطقة ينبغي أن لا ينطلي على من يقرأ في الكتاب الكريم. وبغضِّ النظر عما تسعى إليه هذه الجماعات المسلحة من مشاريع فئوية ضيقة، فإنها ما أرسلت علينا عبثا، ولا أتى سعيها الصبور هذا من فراغ، بعدما خلت الساحة عندنا ممن يدعو إلى رفع الغبن عن أمتنا وتحريرها من الأطماع التي جلبت عليها قوى الشر الآفلة والصاعدة.
وبناء عليه، فإن الموقف الصحيح هو الموقف الشرعي المستقل، الذي يقيم الأمور على قواعدها المحمدية الأولى، وأكثرها ضرورة الوحدة بين طوائف المسلمين كافة، سنة وشيعة وزيدية، لتحرير بلاد المسلمين من العلوج الجدد وممن يدعمهم، ثم لتترك الأمور تجري على ما قدّره المولى تبارك وتعالى لها؛ فأهل السنة والجماعة هم عمومُ الأمة، ولا يجوز لأي كان من أهل القبلة أن ينازعهم في الأمر ما استقاموا على الحق الذي أنزل، كما أن الشيعة والزيود طوائف منها، لا يجوز افتكاك حقهم مما وضعه الله تعالى بين أيديهم ابتداء ولا مما جعلهم به يعتقدون.
فلسطين الكشّافة الأبية
من المهم أن نضيء على الأمور كيف يدبّرها المولى سبحانه وتعالى وكيف يجريها لصالح المؤمنين. الغريب أننا نربط السبب بالمسبب ولا نستطيع فك رموز التأثير الذي يفاجئنا في كل مرة. إذا كانت غزة قد حركت الضمير الجمعي للعالم فمن أعطاها هذه القوة؟ ومن مكّن لها بالنفاذ إلى الانتخابات الأمريكية في غضون حرب استمرت عامين وهي القضية التي مضى من عمرها ثمانون حَجَّة؟ إن الانتباه إلى هذا الأمر المهم للغاية وتحليله يعيد بناء الحبكة رأسا على عقب “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ، وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ”.
الناشط “حسن بايكر” ونجاحاته في وضع القضية الفلسطينية في بُعدها الحقوقي والإنساني موضعا ذا قيمة انتخابية يؤثر على السياسة الأمريكية، يطرح على كيانات الأمة الفاعلة واجبات إضافية، تحتم عليها أن تولي هذا الجانب ما يستحق من عناية؛ لأن صناعة مؤثرين لإقناع الناس بأحقية قضايانا في المجتمعات الغربية جزء من النضال الشامل للدفاع عن فلسطين، خاصة وأن “الميديا” تجاوزت مؤسسات الإعلام المتصهينة والتي سيطرت على الرأي العامّ العالمي قرنا من الزمان؛ ما يعني أن توفر الحرية الحقيقية يعدُّ قيمة أساسية تخدمنا فعليا، كما تخدم المجتمعات الأوروبية والأمريكية التي راهنت دولُها على بضعة ملايين من المغضوب عليهم وتركت مليارين من الآمنين بل عادتهم، وفي ذلكم سفهٌ كبير لدى هذه الدول في حساباتها الجيوسياسية.
إن تدخل العشائر الغزاوية في هذا التوقيت لهو توفيق من الله تعالى، ورافعة حسنة لموقف الفصائل المفاوضة على أولويات تتغير كالنوتة على إيقاع الطرب الذي يريده الاحتلال. يجب أن تبقى العشيرة صمام الأمان للسياسيين الفضلاء، ويجب أن لا تعترف بما تمليه قرارات “ترامب” و”النتن ياهو” عبر “مجلس السلام” الذي هو خرشاء جديدة للأفعوان الإسرائيلي. ثم كم هي غبية فكرة جمع السلاح وتدمير الأنفاق لكونها غير عملية ومتاهة لمن يروم ذلك حقيقة. وإن طمع المحتلين السذج بهذا الصيد لن ينالوا منه غير اللهاث والتعب “كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث”.
ليس الواقع المزري الذي تعاني منه أمتنا في هذه المرحلة مسوغا مشروعا لقبول المبادرة العربية التي أطلقتها القمة العربية سنة 2002م من بيروت، واعتبارها “حلا عادلا” للقضية الفلسطينية إذا ما قبِل المحتلّون الصهاينة بدولة فلسطينية على أراضي 4 جوان 1967، أي على 22 بالمائة فقط من فلسطين مقابل 78 بالمائة كاملةً للمحتلّين. إن الحل العادل هو حرمة المساس بحقوق الأمة إذا لم يمتلك جيلٌ من الأجيال إمكانية الحسم، أو توانى عن ذلك وورّث كلفة التحرير الباهظة فلذات أكباده التي لم تخلّق بعد. وعلى كل حال، ففلسطين -بما لديها من بُعد روحي- عصية على المتاجرة، كشّافة لعوار الخيارات المشبوهة، ويأبى حِمى قدسها الشريف أن يتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء.
الموقف الصحيح هو الموقف الشرعي المستقل، الذي يقيم الأمور على قواعدها المحمدية الأولى، وأكثرها ضرورة الوحدة بين طوائف المسلمين كافة، سنة وشيعة وزيدية، لتحرير بلاد المسلمين من العلوج الجدد وممن يدعمهم، ثم لتترك الأمور تجري على ما قدّره المولى تبارك وتعالى لها؛ فأهل السنة والجماعة هم عمومُ الأمة، ولا يجوز لأي كان من أهل القبلة أن ينازعهم في الأمر ما استقاموا على الحق الذي أنزل، كما أن الشيعة والزيود طوائف منها، لا يجوز افتكاك حقهم مما وضعه الله تعالى بين أيديهم ابتداء ولا مما جعلهم به يعتقدون.