نأمل ونألم
من حِكم الله عزّ وجلّ، وهو الحكيمُ الخبير، أنّه خلق الإنسانَ ليبلوه بشتى أنواع الابتلاء خيرا وشرّا، وأمره بأن يكون شاكرا لله سبحانه إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعّمه، وأن يكون صابرا إذا ما ابتلاه بأيِّ بلاءٍ ليمحِّصه، والمؤمنُ هو من تدبّر هذه الحِكم الربانية وعاش هذه الدنيا بين نعمتي الشكر والصبر، فاللهم اجعلنا من الشاكرين الصابرين.
عنوانُ هذه الكلمة مقتبَسٌ من “الجريدة الكنز”، وهي الجريدة المجاهِدة، الصابرة المُصابِرة المُرابِطة، جريدة “البصائر”، وذلك في عددها الصادر يوم 5 نوفمبر من عام 1937، الذي كانت افتتاحيته “نأمل ونألم”، وهذه الافتتاحية غير موقَّعة، ومن ثم فالمرجّح أنها لأحد رجلين؛ إمّا أنها للإمام عبد الحميد ابن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والجريدة هي لسانُ حال هذه الجمعية، أو أنّها لرئيس تحرير جريدة “البصائر” آنذاك، وهو الشيخ مبارك الميلي، الذي أسنِدت إليه رئاسة تحرير “البصائر” بعد استقالة الشيخ الطيب العقبي، وانتقال الجريدة من الجزائر العاصمة إلى مدينة قسنطينة.
تذكّرتُ هذا العنوان الوجيزَ في مبناه، العميقَ في معناه، وأمتُنا الإسلامية تودّع السنة الهجرية 1447 وتستقبل سنة 1448.
لا نرتاب في أنّ هذه السنة المنصرمة كانت سنة عجفاء، تجرّعنا فيها آلاما أشدَّ مرارة من الصبر، نتيجة ما ابتُلينا به من فتن بين بعضنا البعض، ونخشى أن نكون –بسبب تلك الفتن- قد طرقنا “باب الكُفر” الذي حذّرنا منه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو يودّع أمّته في يوم الحج الأكبر بقوله: “لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضُكم رقاب بعض”، والعياذُ بالله.
كما كانت السنة المنصرمة سنة عجفاء بسبب ما أصابنا من إهانات على أيدي أعدائنا، حتى صرنا “قصعة” تداعت علينا الأممُ ضعيفها قبل قويّها، وذلك نتيجة تفرّقنا فذهبت ريحُنا، وصرنا مطمعا لغيرنا.
إنّ أمتنا الإسلامية –ولا أستثني- تعيشُ أشقى أيامها، وهي تحيا حياة ضنكًا رغم ما تتمتّع به من أسباب القوّة.
إنّ الله عزّ وجل أعطانا “وصفة” للخروج من هذه الحال التي تُشمت بنا الأعداء، وهي أن نغيّر ما بأنفسنا فيغيّر اللهُ ما بنا.
وبقدر ما نألم، فنحنُ نأمل -مع الإيمان والعمل- أن يكون غدُنا أكرمَ وأعزّ، لأنّ العزّة الحقيقية حصرها الله عزّ وجلّ في ذاته، وفي رسوله عليه الصلاة والسلام، وفي المؤمنين، ولنعمل بما نصحنا به الإمامُ الإبراهيمي: “إنّ مادّة دعا يدعو لا تنسخ مادة عدَا يعدُو، وإنّما ينسخها أعدّ يُعِدُّ واستعدَّ يستعدُّ فأعدُّوا واستعِدُّوا”. (آثار الإمام الإبراهيمي ج3. ص470).