-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو تأسيس عقلنة الفعل السياسي في الجزائر

نحو تأسيس عقلنة الفعل السياسي في الجزائر

 قد نتفق جميعا، وبغير كبير عناء، على أن الجزائر في أمس الحاجة إلى سياسيين من طراز رفيع، خصوصا أولئك الذين تختارهم النخبة الشعبية ليمثلوها في البرلمان. وقد نتفق أيضا على أن السبيل إلى بلوغ تلك المرتبة من الممارسة السياسية الراقية لا يمر إلا عبر طريق العلم ومنهجيته الصارمة، وبالقطع عبر الابتعاد عن العشوائية التي طالما عطلت السياسة وجعلتها أسيرة الارتجال والانطباع.
فالجزائر اليوم، كما في مراحل سابقة من تاريخها، ليست في حاجة إلى خطيب يلهب المشاعر أو إلى مجادل يغالب الخصوم، وإنما إلى فاعل سياسي يشبه، في أدواته وعقليته، الباحث الأكاديمي المتمرس. وقد كان ماكس فيبر يرى أن السياسة الحقيقية لا تقوم على الانفعال وحده، وإنما على “أخلاق المسؤولية” التي تجعل السياسي واعيا بنتائج أفعاله لا أسير لحماسته العابرة.
فكما يجمع الباحث المعطيات والأرقام والإحصاءات، ثم ينظر في الواقع بعين ناقدة، ليعمد بعدئذ إلى تحليل تلك الوقائع واستنطاقها وفهمها في العمق، ثم يقدم نتائج بحثه إلى زملائه في الندوات والمجلات العلمية، فإن السياسي الحقيقي مطالب بتقديم مداخلته البرلمانية أمام الحكومة أو زملائه النواب على أنها أطروحة مبنية على علم ومنهج وأرقام.
ولن يكون لهذه المداخلة أن تقنع المحاور والمستمع إلا إذا حملت في طياتها طرحا علميا قويا، يخرج من رحم التحليل لا من فوهة الشعار، وعندئذ فقط يمكننا أن نصل إلى مستوى عال من الطرح السياسي، ونفرض استجابات سريعة وفعالة للمشكلات التي تنخر الواقع المعاش. ولعل بيير بورديو كان محقا حين قال إن أخطر ما يهدد المجال السياسي هو ذلك “الرأي السريع” الذي ينتج مواقف آنية لا تستند إلى معرفة عميقة بالبنيات الاجتماعية.
إن السياسة في الجزائر، والفعل البرلماني بشكل خاص، مدعوة اليوم إلى قطيعة حاسمة مع لغة الخشب الجوفاء، وتلك الخطب الحماسية التي تستنزف العواطف دون أن تقدم حلا، وإلى نبذ ثقافة التغالب والمغالبة التي تحول البرلمان إلى ساحة صراع لفظي عقيم، بدل أن يكون مساحة للحوار المؤسس على الدليل والبرهان، على الأرقام والدراسات التي تناولت الموضوع من جميع جوانبه.
وقد كان مونتسكيو يعتبر أن فساد الأنظمة يبدأ عندما تتحول المؤسسات إلى فضاءات للصراع الشخصي بدل أن تكون فضاءات للعقل العمومي. إن المطلوب ليس نخبة تتقن فن الخطابة وحسب، وإنما نخبة تمتلك عقلية الباحث النقدي، الذي يقلب المذكرات والأطروحات، ويوظف الإحصاءات التي توفرها الدولة، ثم لا يتردد في ممارسة النقد الموضوعي لكل ما يراه غير صحيح من سياسات أو قوانين أو مراسيم إدارية صادرة عن الوزارات. وهنا تستحضرنا مقولة فرانسيس بيكون الشهيرة: “المعرفة قوة”، لأن السياسي الذي لا يمتلك المعرفة يتحول بسهولة إلى مجرد صدى للعواطف الجماعية أو أسير للحسابات الظرفية.
ومن هنا تبدأ رحلة البحث الحقيقية عن البرلماني صاحب العقل العلمي، ذلك الذي لا يقيس نجاحه بعدد التصفيقات التي يحصدها داخل القاعة، ولا بعدد الإعجابات على مواقع التواصل الاجتماعي وإنما بقدرته على فهم المجتمع وتفكيك أزماته واقتراح الحلول الممكنة لها. إن البرلماني الذي يحمل عقلية علمية لا يتحرك بمنطق الانفعال الآني، وإنما بمنطق التبصر والاستشراف، فيصنع الفارق داخل المؤسسة التشريعية، ويحوّل السياسة من مجرد استعراض لغوي إلى فعل منتج للخير العام، يخدم العباد والبلاد معا، لأن المجتمعات لا تنهض بكثرة الضجيج السياسي، وإنما بوجود رجال دولة يمتلكون القدرة على قراءة الواقع بعين الباحث لا بعين المزايد.
وإذا كان البعض قد يعتبر هذه الدعوة مثالية أو مبالغا فيها، فإن الحقيقة التي لا مفر من مواجهتها هي أن الزمن لم يعد يحتمل تبذير الفرص في مناقشات عاطفية أو خطاب انطباعي. فالعالم من حولنا يتغير بسرعة مذهلة، والمجتمع الجزائري يتغير بدوره، وعقلية الشباب، ذلك الركن الأساس في أي مستقبل، تتبدل وتتسارع وتائر تحولها بشكل غير مسبوق. وقد أشار عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى أن المجتمعات الحديثة تعيش في “حداثة سائلة”، حيث تصبح التحولات أسرع من قدرة المؤسسات التقليدية على استيعابها.
وهذا كله يفرض على الفاعل السياسي أن يعلن التحدي، لا بالشعارات الثائرة، وإنما بمحاولة متابعة هذا الواقع المتسارع وصيد التحولات قبل أن تفوته، ثم القيام بمهمة الجمع والفهم والتحليل والتفسير، ليضع بعد كل هذا السياق الحلول المناسبة في مكانها الصحيح. فالمسألة إذن هي مسألة تكيف معرفي ومنهجي قبل أن تكون مسألة إرادة وحدها. لأن السياسة، في جوهرها العميق، ليست فنا للغموض أو ابتزاز العواطف، وإنما هي ذلك الجسر الواصل بين الحقيقة العلمية والقرار الجماعي، وهي بقدر ما تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، فإنها تستمد فعاليتها من قدرتها على الإقناع بالدليل، والبناء على أرض صلبة من المعرفة والإحصاء والتحليل النقدي.
وقد كان عبد الرحمن بن خلدون يربط قيام الدول واستمرارها بقدرتها على فهم العمران البشري وتحولاته، لا بالاكتفاء بالقوة أو الحماسة العابرة. ومن دون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة من العشوائية المتجددة، التي تتخفى في أثواب الخطابة، وتقتات على الجموع المتحمسة، بينما المشكلات الحقيقية تتفاقم خلف ستار الضوضاء السياسية. ولعل هابرماس حين تحدث عن “الفعل التواصلي” كان يريد إعادة الاعتبار إلى النقاش العقلاني القائم على الحجة لا على الهيمنة والصراخ.
لقد حان الوقت إذن لنقل السياسة الجزائرية من سوق الانطباعات إلى معمعة الأفكار المدعومة بالبراهين، ومن خشبة المسرح إلى قاعة البحث العلمي، ليس انتقاصا من شأن العاطفة السياسية، وإنما إنصافا للعقل الذي يبقى، في التحليل الأخير، الركيزة الوحيدة التي يمكن للسياسة أن تستند عليها إذا أرادت البناء لا الهدم، وإذا أرادت الحل لا التنظير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!