نعيب حكومتنا والعيب فينا!
الكلام الذي قالته وزيرة البريد وتكنولوجيات الاتصال من أنّ الاختلاسات التي تقع في قطاعها سببها المواطنين، يشبه تماما الكلام الذي ساقه البعض تعليقا على فضيحة الخليفة حين قال عددٌ من المسؤولين إن زبائن البنك المذكور يتحمّلون مسؤولية ما وقع باعتبارهم اختاروا المؤسسة التي تمنحهم فوائد وامتيازات أكبر!
بمعنى أن الجزائريين اختاروا الخليفة، لأنه يمنحهم فوائد أكبر، وليس لأنه بنكٌ مؤسس قانونيا في البلاد، قبل أن يكتشفوا طبعا بكونه.. جماعة أشرار وعصابة كبيرة!
علما أنّ المواطنين لم يذهبوا إلى البنك طواعية وإنما بسبب الدعاية الكبيرة التي حصل عليها والامتيازات التي تمّ منحها لتلك الإمبراطورية ناهيك عن أن معظم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي والنقابات، أودعت أموالها جميعا في البنك، وسافر وزراء عبر خطوطه مجانا، والتفّ حوله عددٌ كبير من رجال الأعمال ورؤساء أندية الكرة واستقبله كبار المسؤولين في الدولة.. كلها أمورٌ لم ينتبه إليها أحدٌ، لكنهم انتبهوا جميعا إلى توافد المواطنين العاديين عليه!
منطقٌ غريب ذلك الذي يحاسب المواطنين ويرفض تحميل المسؤولية للسلطة، وهو ذات الأمر الذي تفعله الوزيرة هدى فرعون التي استبشرنا خيرا بتعيينها، من باب أنها وزيرة شابّة وبنت عصرها وبالتالي ستضع حدا لديناصورات السياسة والإدارة والمناصب، لكن يبدو أن شيخوخة التسيير عندنا لا تتعلق بالسن بقدر ما لها علاقة بالذهنية!
الوزيرة فرعون تتهم الشعب باختلاس أمواله وبالتالي يجب محاسبة هذا الشعب وتغييره بدلا من محاسبة الوزيرة وإقالتها!
قبل فترة، كنا نقول هذا الكلام على سبيل النكتة، لكنه تحوّل بفضل الوزيرة فرعون وبعض زملائها في الحكومة إلى حقيقة.. الخطأ في الشعب وليس في الحكومة أو بتعبير أقرب، نعيب حكومتنا والعيب فينا وما لحكومتنا عيبٌ سوانا!
وهذا ليس كلام وزيرة البريد فحسب، وإنما منطق جماعي يتبعه معظم المسؤولين، فسبب الكوارث في المستشفيات ليس في غياب الرقابة ونقص الكفاءة وفوضى التسيير… وإنما في تزاحم المرضى وكثرة الإنجاب والبحث عن العلاج المجاني!
والمشكلة في التربية ليست في غياب الشفافية وتهريب المناهج والغشّ في الامتحانات.. وإنما في التآمر على الوزيرة والجهل بالقوانين وعدم احترام المرأة!
المنطق الأعوج هذا ينسحب أيضا على مشاكل أخرى كاختطاف الأطفال وارتفاع جرائم القتل والعنف في الملاعب وحوادث المرور وكثرة قضايا الفساد..!
حكومتنا كانت تستحق شعبا أفضل، وقد تفكر بسبب كثرة خطايا المواطنين و”تخلاطهم” في أن تستقيل معاذ الله أو في أن تهاجر! لكن ثقتنا في الحكومة أكبر، والأكيد أنها ستتحملنا لمرحلة أخرى حتى وإن اضطرها الأمر لتزوير الانتخابات والتصويت بدلا عنا، ليس حبا في المناصب وممارسة السلطة وإنما تفعل ذلك كله في سبيل المصلحة العليا للوطن!