هجر القرآن حتى في شهر القرآن (2)
رأينا كيف تعامل الملأ من قرش مع القرآن بالهجر المادي، بالنّأي عنه والنهي، وبالهجر المعنوي، بوصفه بكل ما هو باطل كالسحر، والكهانة، وتنزّل الشياطين، والأساطير، وما أوحت به إليهم الشياطين من زخرف الأقوال، وطلب الإتيان بغيره أو تبديله مما دل على سفاهة عقولهم وسخافتها في مواجهة حقائق القرآن وصواعقه، في هدم ضلالات عقيدتهم، وسفاهات عبادتهم، ورذيل معاملتهم، وأشر أخلاقهم..
ورأينا كيف ضاق صدر سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ من تلك الأعمال وهاتيك الأقوال، وعرفنا شكواه ــ عليه الصلاة والسلام ــ إلى ربه من ذلك كله بقوله: “يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”.
كان أمر الله ــ عز وجل ــ لرسوله ــ عليه الصلاة والسلام ــ أن يجاهد أولئك العمي العيون الصم الآذان، الغلف القلوب بالقرآن العظيم “وجاهدهم به جهادا كبيرا”، مع الصبر والمصابرة، وذلك ما فعله رسول الله ــ عليه الصلاة والسلام ــ حتى “جاء نصر الله والفتح” ورأى الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا، فسبّح بحمد ربه واستغفره.
إذا كان مشركو قريش قد هجروا القرآن بعدم الاستماع إليه، ونهي غيرهم عنه، وربما التمسنا لهم الأعذار بجدّة القرآن عليهم، ومعارضته لما نشأوا عليه من فاسد الدين، وقبيح العمل، وسيّء الخلق، فما هي حجتنا ــ نحن مسلمي هذا العصر ــ في هجر القرآن الكريم ونحن نزعم أننا مؤمنون به، وبمن أنزله، وبمن أنزل عليه؟
إن هذا القرآن يقول: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم” فهل المسلمون اليوم يحكّمون الإسلام والقرآن فيما يشجر بينهم؟
إنهم لا يفعلون ذلك، خاصة الملأ منهم وكبراؤهم، والذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ فإذا دُعوا إلى تطبيق هذا الذين زعموا أنهم يؤمنون به لووا رؤوسهم، واستغشوا ثيابهم، ووضعوا أصابعهم في آذانهم، وأصروا على الحنث العظيم باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويقولون لدعاة تطبيق القرآن ما نفقه ما تقولون، ويأمرون زبانيتهم بقولهم: خذوهم، فغلوهم، وألقوهم في غياهب السجون، أو اشنقوهم..
إن المنظومات التربوية في البلدان الإسلامية ليس فيها من القرآن إلا “هباء” يذر في العيون تلبيسا على الناس، وكيف يكون للقرآن الكريم وجود في هذه المنظومات وأكثر من أشرفوا عليها من أفسد الخلق، ونحن نعرفهم بسيماهم، ونعرفهم في لحن القول، وبعضهم ــ عندنا ــ يمكن تسميتهم “الجزائريّينات”، إذ لا هم ذكور ولا هم إناث.
بل إن أناسا زعموا أن قراءة وردهم أفضل من قراءة عدة ختمات من القرآن الكريم. إن هذا ليس ــ فقط ــ هجرا للقرآن؛ بل هو “كفر” به.
وإن من “المسلمين” من لا يملك مصحفا في بيته، فقد أخبرني فضيلة الإمام (ع.م.ب.س) أن شخصا “قزدر” وجاءه قائلا: “يالشيخ سلفنّا مصحف”..
ويظهر هجر القرآن في تلك “الجوائز” التي “يكرّم” بها حفظة القرآن الكريم، وهي في الغالب “ڤندورة” بشعة، أو قميص من أبخص الأثمان، أو شيء حقير يعظم في صدور.. ولنقارن هذا بما أهدي لمدرب فريق في قسنطينة الذي قال ما معناه: هل أحضر باخرة أم طائرة لحمل هذه الهدايا ونقلها إلى فرنسا؟ ولنقارن ذلك بالمبالغ الخيالية التي يدفعها “إخوان الشياطين” من الناهقات والناهقين..
لقد وصل هجر القرآن إلى شهر رمضان، حيث يفضّل أشباه البشر التسكع في المقاهي القريبة من المساجد ولا يدخلون هذه المساجد لصلاة التراويح.. أو الإقبال على السهرات الإبليسية..
هدانا الله ــ عز وجل ــ للانكباب على هذا القرآن الميسر للذكر، ووفقنا للتحاكم إلهي، والتأدب بآدابه، والتخلّق بأخلاقه..