هذه قصتي مع عدوان إسرائيل على لبنان ولهذا ألّفت “مذكرات مراسل حرب”
الحرب الراهنة تميزت بالشراسة لإنهاء وجود حماس وحزب الله وليس مجرد هزيمتهما
أزمة كورونا والحرب بين روسيا وأوكرانيا دفعت دولا إلى تجاوز الضوابط المعروفة
علي فضيل وثق في أبناء الشروق لإتمام مهمة غير مسبوقة في الإعلام الجزائري
الحروب تجعل الإنسان معرضا لصدمات نفسية عندما يعاين مجازر كمجزرة الشياح
كنت شاهدا على استهداف حسن نصر الله في حارة حريك مساء 13 أوت 2006
سفريتي إلى المغرب تنطوي على أسرار كبيرة قد أكشف تفاصيلها قريبا
يكشف الكاتب الصحفي والروائي، طاهر حليسي، في هذا الحوار الصريح، الذي خص به “الشروق”، تجربته الإعلامية والميدانية الفريدة في تغطية حرب تموز 2006 بلبنان، وأسباب إقدامه على توثيقها في كتاب صادر عن دار نسمة للنشر، تحت عنوان “على خط النار مع إسرائيل.. مذكرات مراسل حرب”، وهو أول عمل جزائري في مجال تغطية الحرب، حيث يكشف طاهر حليسي في هذا الحوار المطول الكثير من التفاصيل التي حدثت صائفة 2006، مثلما يعد القراء بمذكرات مماثلة حول سفريته إلى المغرب إذا توفرت الظروف الملائمة، مشيدا بوقفة الأستاذ الراحل علي فضيل الذي وضع بحسب قوله الثقة في أبناء الشروق لإتمام مهمة غير مسبوقة في الإعلام الجزائري، وهي تغطية حروب ومآس في لبنان والعراق وليبيا وعدة أماكن من بقاع العالم.
بعد عملين روائيين تطل علينا بكتاب حول الحرب في لبنان، ولماذا العودة إلى كتابة ونشر المذكرات في هذا الظرف بالذات؟
فكرة تدوين مذكرات الحرب عاشت معي لسنوات طويلة، لكنها تأخرت بسبب انشغالي بكتابة روايتين، الأولى صدرت في عام 2017 بعنوان “الميزونة الشياطين هم الأبطال” التي استغرقت مني سنوات في الكتابة ووصلت للقائمة القصيرة لجائزة طاهر وطار للرواية العربية في الجزائر طبعة 2018، ثم أنتجت العام الماضي 2023 “مزرعة الجونكيرا”، وكما تعلم، فإن التحضير للرواية يستغرق سنوات كاملة. وبالموازاة مع ذلك، داومت في تلك الفترة على تدوين بعض تلك المذكرات ونشرت مقاطع منها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأحدثت تفاعلا طيبا، لكن يبدو أن طوفان الأقصى الذي طرأ يوم 7 أكتوبر 2023 سرع من وتيرة إصدارها خلال هذه السنة، بما أنه وفر سياقا جديدا نفخ الروح في القضية الفلسطينية من جديد، وامتد كما هو معروف للبنان عبر ما يسمى بوحدة الجبهات في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وبالتالي، كانت فرصة مناسبة من حيث التوقيت والمناخ العام لبعث تلك اليوميات التي تعد أول عمل جزائري في مجال تغطية الحرب، وهي حرب مرتبطة بجوهر الصراع في الشرق الأوسط وتتيح للقارئ الانغماس الوجداني والعقلي في تلك الأجواء ليفهم خلفيات ما يجري بناء على تجربة حقيقية ميدانية موثقة. مع ملاحظة مهمة، هي أن بناء الرواية أصعب من كتابة مذكرات نقوم خلال تصورها أو كتابتها باستذكار أحداث واقعة لا تحتاج لأدوات تأثيث، وإنتاج شخصيات من العدم وضبط عقد وتقعيد الحبك وتدوير الصراع، وهذه كلها جوهر ورونق المتن الروائي، ففي الرواية يجب أن تتخيل لكن المذكرة تحتاج للتذكر فقط.
هل حافظ هذا الإصدار على مضمونه بعد 18 سنة من تغطية تلك الحرب (حرب تموز 2006)؟
في حقيقة الأمر، طبيعة الصراع بقيت كما هي سواء في لبنان كما في غزة، فهذا الصراع كما نعلم هو صراع بقائي في المنطقة بين مشروع سيطرة إسرائيلية على المنطقة وفق مفهوم جديد لنتانياهو “السلام مقابل السلام” وليس “السلام مقابل الأرض”، بمعنى حسم الصراع بالردع، وبين مشروع مقاومات يكافح من أجل الأرض مقابل السلام، ومن جهة أخرى هناك مقاومات عقائدية مرتبطة بقدسية تحرير الأرض والمقدسات، من الاحتلال الإسرائيلي، يجب أن نعرف أن حزب الله ولد وسلاحه في يده كما أشرت إلى ذلك في كتابي، وبالتالي، فإن هدفه الكبير وفقا لمعتقدات شيعية هو القدس، وهو مرتبط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر ولاية الفقيه، بما أن الأب الروحي له هو آية الله محتشمي، الذي لعب دورا في الثمانينيات عبر توليه سفارة إيران في دمشق في دعمه ماديا وعسكريا منذ منتصف الثمانينيات، وقد امتد الدعم في السنوات الأخيرة لحركات المقاومة في غزة وفلسطين. إذن لا شيء تغير منذ 2006 ولا حتى منذ 1948 في طبيعة الصراع كما أنه لن يتغير أبدا.
في رأيك، هل هناك قواسم أو فروق واضحة بين 2006 و2024؟
الفارق الوحيد بين 2006 و2024 هو الأدوات والظروف السياسية والجيوسياسية الدائرة رحاها في العالم، فالحرب الراهنة تميزت بالشراسة لإنهاء وجود حماس وحزب الله وليس مجرد هزيمتهما، وقد استخدمت فيها وسائل التكنولوجية الرهيبة الممهورة بالقوة الغاشمة، وبالتالي، توسع رقعة المجازر والضحايا، وسط متغيرات كثيرة على المستوى الدولي، جراء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وبعيد أزمة كورونا، التي دفعت دولا للتصرف بمعزل عن الضوابط العامة التي كانت سائدة في العالم قبل ذلك، أشياء كثيرة تغيرت بعد كورونا، حيث فقد العالم صيغة الوضع القائم بفعل انغلاق دول على ذاتها وتدهور الوضع الاقتصادي، ما كان سببا في اندلاع الحرب الأذربيجانية الأرمينية التي حسمت من طرف الجيش الأذري بمسيرات بيرقدار التركية رغم ترسانة أس 400 الأرمينية، ثم تصاعد وتيرة صراعات إقليمية كثيرة، وهذا يعني أن هناك حالة خلخلة عامة ازدادت حدتها بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، ويبدو أن إسرائيل التي شهدت تغيرا كبيرا في عقيدتها العسكرية على يد نتانياهو المتطرف الذي لا يهتم بالأسرى بل باجتثاث حماس وحزب الله ومنع إيران من اكتساب السلاح النووي الذي يبقى أهم سلاح لتحقيق توازن الرعب. الظاهر أن التوازن السائد قبل ذلك أختل لصالح القوى الكبرى، وإسرائيل استغلت الظرف أبشع استغلال. على الصعيد العسكري حرب 2024 أكثر تطورا من سابقتها فنحن في قلب حرب الجيل الخامس التي تحددها ثلاثة عوامل رئيسة، هي استعمال 1/ المسيرات المتسكعة والنائمة 2/ الصواريخ الموجهة والاسترشاد المكثف بالأقمار الصناعية والحروب السيبرانية، وذلك تجلى منذ تفجيرات البايجر وأجهزة اتصالات حزب الله التي كانت توطئة مفصلية وحاسمة في الحرب.
كيف ترى مهمة مراسل الحرب بين المتابعة الإعلامية الآنية وتجربة التوثيق في كتاب؟
ثمة بون شاسع، لأن الذي رأى عيانا ليس كالذي سمع، أو تابع عبر الشاشات الفضائيات. طبيعة المراسل الحربي هو أن يكون في الميدان، لذلك توفد كبريات الجرائد والمحطات مئات المراسلين. ففي الحرب الراهنة في لبنان تم إرسال 200 صحفي من كافة دول العالم كي يتسنى لهم معرفة ما وراء الأخبار بأكثر دقة، كما تنتدب كبريات الجرائد محققين مثلما تم في حروب سابقة أنتجت متخصصين من أمثال الشهيرين روبرت فيسك وتوماس فريدمان، كي ينقلوا بأمانة مشاعر الناس وأحاسيسهم ومخاوفهم وهواجسهم بما أنهم في نفس حوض الحمام كما يقال، كما أنهم يتعرضون لمخاطرها. وبالتالي، لا يمكن الكتابة بدقة وروح عن حرب ونحن نشاهد مباراة كلاسيكو بين البارصا والريال ونرشف الشاي، على بعد 5 آلاف كيلومتر عن جبهة الصراع. وطبعا، يجب التنويه بمؤسسة الشروق اليومي التي انتدبت ثلاثة مراسلين، هم بوطالب شبوب ورشيد ولد بوسيافة والمتحدث، قبل أن يلتحق بي الزميل نصر الدين معمري، كما يجب أن نستذكر فضل معلمنا الأول السيد علي فضيل- رحمه الله- الذي أعده والدنا الروحي بأن وثق في أبناء المؤسسة العتيدة ووفر الدعم المعنوي والمادي لإتمام المهمة غير المسبوقة على صعيد الإعلام الجزائري. بالنسبة للمذكرات فهي تختلف كثيرا من حيث زوايا المعالجة، فهي ليست نقل أخبار وتقارير كما كنا نفعل ذلك يوميا في تلك الفترة، بل مواكبة للوضع العام وإشراك القارئ فيه، وأيضا رواية الهواجس الشخصية لأن الموضوع يتعلق بتغطية حرب وليس تغطية زلزال طبيعي أو تسونامي بحري، فهي ليست نقل ظاهرة طبيعية انتهت بل حرب جارية تدور مع احتمالية الموت، فهي ليست حربا كلاسيكية بجبهتين بل حرب من المسافة صفر تقريبا، فمصير الصحفي مرهون بألاّ يكون موجودا في المكان الذي تسقط فيه القذائف جراء القصف، وهذا يعني أن الخطر يأتي دون أن تشعر من وراء السحاب، وأيضا تتيح المذكرات رواية قصص وأحداث لا يمكن تناولها في التغطيات الخبرية للحرب التي تركز على المعلومة والخبر.
هل واجهت أخطارا حقيقة خلال تغطيتك حرب 2006؟
طبعا، هناك صحفيون قتلوا في تلك الحرب، بينهم مصورة معروفة، كما أن الإنسان معرض لصدمات نفسية عندما يعاين مجازر كمجزرة الشياح مثلا، حيث رأيت رفقة الزميل رشيد ولد بوسيافة البشر ممزقين إلى أشلاء وأحشاؤهم الداخلية تتساقط على بلاط مستشفى رفيق الحريري ببيروت بعدما بقرت القذائف بطونهم بفعل شدة النسف وسقطت عليهم الأنقاض. كما حضرت في حارة حريك مساء 13 أوت 2006 غارة عنيفة استهدفت الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي نجا من تلك الضربة، التي لا أظن أني سأسمع حسيسها مرة أخرى، لأنها كانت مزلزلة جراء إمطار الموقع بقنابل من نوع “المطرقة” و”شارون” العنيفتين والضخمتين. من جهة أخرى قرار الذهاب لم يكن سهلا عندما ينصحك رفاقك بالامتناع كي لا تعود جثة لوالدتك وأهلك، أو الأفظع من ذلك حين تتصور أنك ربما ستعود معاقا أو مشوّه الخلقة مبتور الساق والذراع. طبعا واجهت ضغوطا هائلة وسلبية من هذا الجانب، لكن أظن أنا مؤمن أشد الإيمان بأن الموت مسألة قدرية لا يمكن ردها أو استحضارها، فهي شأن إلهي خالص، ففي عقلي الباطني كنت أذكر نفسي بأن مسألة الموت والحياة ليست من اختصاصي بل اختصاص من خلقني، لذا فالحياة هي رحلة بين نقطة بداية ونهاية، أي بين عدمين لا نملك فيها القدرة على تغييرها، إذن فلم الاكتراث بذلك؟ وكما كتبت في مذكراتي بأن الإنسان أكثر عرضة للموت في رحلة سياحية لليونان من الموت قتلا تحت القذائف في لبنان. شرحت ذلك في فصلي عبور الخوف وسفر ضد التيار، والخلاصة أن الإنسان عليه أن يعبر فوق حاجز خوفه للسيطرة عليه، لا تحته كي لا يسيطر هو عليه، على العقل أن يكون نشطا في التحكم في تلك الانفعالات لأن الخوف لا يغير شيئا، أو حتى الخوف من الخوف لن يغير شيئا. على الصعيد الشخصي أقول بأن تلك التجربة هي أهم تجربة في حياتي لأنها كانت اختبارا ذهنيا لتحمل الضغوط ومعرفة حدود ذاتي.
ذكرت أن رواية التفاصيل تضع القارئ في الأجواء، وبما أنه أول عمل جزائري، أين تكمن فائدته الأكاديمية؟
في البداية، كان لديّ تصوران في الكتابة، ما بين أن تكون سردا خبريا، أو سردا يقترب من الأكاديمية، ثم قرّرت أن أكتبها بطريقة روائية مع بعض الوقفات الأكاديمية، وهذا يعني أني قدرت أن الجمهور جمهوران، جمهور القراء وجمهور طلبة الإعلام، وبالتالي، فقد عرضتها على شكل قصة منتقاة اكتفيت فيها بما رأيته صالحا للذكر أو مهما، بعيدا عن كرونولوجيا الحرب، وبأسلوب فني كي لا يشعر القارئ بالجفاف والملل. هذا من ناحية، من ناحية أخرى أردته أن يكون مرجعا للطلاب للتعرف على تغطية الحرب عبر قلم محلي جزائري، وقد ضمنته بعض القواعد الأكاديمية المتعارف عليها عالميا، من حيث التصرف بحذر أمام خطري الاختطاف وتهمة الجوسسة، بما أن لبنان هو وكر جواسيس وقت السلم ما بالك بالحرب؟ كما أشرت لبعض شروط السلامة الأمنية والوقائية التي يجب على المراسل الحربي أن يتحلى بها كي لا يعرض حياته للخطر، وهي قواعد منطقية طبقتها بالفطرة والاستقراء للوضع، واللافت أني استفدت من تربص في تغطية الحروب ومناطق النزاع من المؤسسة الألمانية الشهيرة كونراد أديناور زتيفتونغ عام 2015، واكتشفت أني وقبل 10 سنوات، اعتمدت تلك الطرق، قبل أن أدرسها. هناك أيضا مهما لابد من أن أشير إلية عطفا على هذا السؤال، هي أن الكتابة والتدوين ضرورية وحيوية. لو لم يكتب المؤرخ الروماني سالوست عن يوغرطة النوميدي ما كنا لنعرف قصته، وهنا أشير إلى أن كتابا غربيين وهم صحفيون مثلنا غالبا ما يصدرون مذكرات الحروب، حتى لو كانت حروبنا وتهمنا أكثر منهم مثلما فعل روبرت فيسك في ويلات وطن الذي صار مرجعا كبيرا وأساسيا، إلى متى ننتظر أن يكتب الآخرون عنا؟ من المفيد أن يكتب المراسلون الحربيون الجزائريون مذكراتهم، لأنها ستبقى وثائق للتاريخ والطلبة، وأتمنى من الزملاء الإسهام في المجال خاصة الرفاق رشيد ولد بوسيافة، وبوطالب شبوب وناهد زرواطي ومواقي وغيرهم في الجرائد الأخرى، لأن ذلك يمكن أن يشكل مكتبة جزائرية في مجال تغطية الحروب، وهو مجال نادر في العالم بما أن تغطية الحرب فرصة وعلينا احترام هذه الفرصة التي يحلم بها كل صحفي في العالم.
على ضوء تجربة 2006، كيف تنظر إلى لبنان في الداخل؟
علينا أن نفهم الخلفية الدينية لبلد بثمانية عشرة طائفة، فإذا كان مقاتل حزب الله يرى أن الموت مطلب حياتي استلهاما من كربلاء ومصرع الحسين، فإن المسيحي المتشبث بالحياة والسلام ليس الموت من ثقافته، كما يجب أن تغوص في السوسيولوجيا، فمثلا السنة والمسيحيون العائشون في رأس بيروت لا يفكرون كما يفكر شيعة الضاحية الجنوبية، هناك صراع اجتماعي بين وسط البلد وضاحيته، ذلك أن السنة والمسيحيين كونوا تجارة ومعاملات واقتصادا قبل عقود طويلة. وبالتالي ليس من مصلحتهم الدخول في حروب، فيما كان الشيعة الذين نزحوا من الجنوب وجبل عامل يعيشون في فقر وتخلف وحرمان، قبل أن يحدث موسى الصدر نهضة اجتماعية وثقافية لإلحاقهم بمستوى الطائفتين الأخريين خلال السبعينيات، لكن ذلك تم في إطار التعايش لأنه كان مدرسة في التسامح والتنمية فأسس حركة أمل، ومن حركة أمل ولد حزب الله بدعم من إيران بعد انتصار ثورتها عام 1979، ثم حدث اجتياح لبنان من طرف إسرائيل، عام 1982 لطرد الفلسطينيين، وهلم جرا، إسرائيل لن تسمح ببلد قوي مزدهر في الشمال.
هل تفكر في كتابة وتدوين رحلاتك الأخرى للمغرب وإيطاليا مثلا؟
من المتوقع أن يحدث ذلك في يوم ما، خاصة بالنسبة لسفرية المغرب، التي كانت وقليل من يعلم ذلك، كانت بتكليف خاص من المدير العام، المرحوم الفاضل علي فضيل، لما تنطوي عليه من أسرار ومعطيات سأكشفها عبر عمل مماثل حينما تتوفر الظروف الملائمة لذلك.