-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بخصوص الانقسامات الثورية.. بن طوبال:

هذه مسؤوليات بن بلة وبن خدة وبوصوف وكريم وخيدر وبيطاط

زهية منصر
  • 2277
  • 0
هذه مسؤوليات بن بلة وبن خدة وبوصوف وكريم وخيدر وبيطاط
أرشيف
أحمد بن بلة

في هذا الجزء الثاني، يتوقف بن طوبال عند اجتماعات مجلس الثورة والحكومة المؤقتة، بعد إقرار وقف إطلاق النار والانقسامات التي ظهرت بين رفقاء السلاح.
عندما دخل الزعماء الخمسة من الشرق الأوسط، عقد اجتماع للحكومة المؤقتة وفيه طرح بن بلة وخيذر مسألة إيجاد حكومة بديلة عن الحكومة المؤقتة. وهو المقترح الذي قوبل بالرفض من طرف المجموعة، حيث اعتبر هؤلاء أن مسألة إيجاد حكومة قائمة بذاتها للجزائر المستقلة لا يمكن أن يتم قبل دخول الحكومة المؤقتة إلى الجزائر ودخول جيش الحدود وكذا عودة اللاجئين وإطلاق سراح جميع السجناء والمعتقلين، عند هذا الحد يعقد مؤتمر وطني واجتماع لحزب جبهة التحرير بلجنتها المركزية ومكتبها السياسي ومن ثم إيجاد مجلس وطني بنوابه المنتخبين يستمع ويصادق على التقرير الأدبي والسياسي للحكومة عندها يمكن إيجاد حكومة جديدة للجزائر المستقلة.
يدافع بن طوبال عن وجهة نظر زملائه فيقول: “كانت هذه هي الطريقة التي نتصور بها الاستمرارية في الشرعية ومن دون الدخول في صراعات ومواجهات قد تقود للحرب الأهلية”. ويواصل بن طوبال مدافعا عن وجهة نظر فريق الحكومة المؤقتة فيقول: “بالنسبة لنا، الحكومة المؤقتة نجحت في مهمتها وهي قيادة المفاوضات وتحقيق الاستقلال، بقيت مسألة الخلاف مع قيادة الأركان ومسألة المكتب السياسي الذي سيتم البت فيه عند الدخول إلى الجزائر، فعبر المكتب السياسي كان مقررا إنشاء مديرية تكون لها السلطة على الحكومة المؤقتة”.
يكشف بن طوبال أنهم اتفقوا على الذهاب إلى طرابلس بحكومة مؤقتة موحدة والبت في المسائل العالقة في دورة مجلس الثورة المقبل.
تزامنا مع ذلك، تم إيجاد مجموعة عمل أسندت لها مهمة كتابة قانون أساسي جديد للحزب وأرضية نصوص كان يفترض أن تكون أرضية للجزائر المستقلة.
وحسب شهادة بن طوبال، فإن اللجنة ضمت كل من محمد يزيد محمد، الصديق بن يحيى، رضا مالك، محمد حربي، لمين خان، عمر أوصديق، مبروك بلحسين.
اجتمعت اللجنة مدة شهر كامل وخرجت بنص وصفه بن طوبال كونه عالي المستوى. ووفق توصيات هذه اللجنة الأرضية التي أعدتها فقد تم تحويل حزب جبهة التحرير من جهاز ثوري إلى حزب سياسي تمنح له صفة الهيئة الإدارية المكلفة مؤقتا بتسيير شؤون الجزائر المستقلة.
وقسم الفريق إلى لجان ثلاث، لجنة خاصة بالشؤون الاقتصادية وأخرى للشؤون الاجتماعية وأخرى مكلفة بشؤون التنظيم، وكان الفريق ككل تحت إشراف بن بلة.

بن بلة أراد إضافة أسماء جديدة لمجلس الثورة
يصف بن طوبال اجتماع مجلس الثورة بالتاريخي لكونه أول مرة يجتمع كاملا، لكن وبمجرد بداية الأشغال أخذت الأمور منعرجا آخر عندما طالب بن بلة وخيذر إضافة نقطة لم يتم إدراجها في جدول الأعمال ولم يتم اعتمادها من مكتب مجلس الدورة السابقة. يقول بن طوبال إن فريق بن بلة “كانوا يريدون توسيع مجلس الثورة بإدراج أسماء جديدة وقد دشنت حملة في الأروقة قبل الدخول إلى قاعة الاجتماع من أجل الضغط وفرض منطقهم، وقد تم تداول عدة أسماء على غرار مصطفى الأشرف، ياسف سعدي، عبد المالك تمام، محمد بجاوي، وكل الذين كانوا مع خط بن بلة”.
وصف بن طوبال في مذكراته خطوة بن بلة بـ”كونها حسابات انتخابية أخرجت دورة المجلس من النقاش السياسي العميق الذي كان يفترض أن يسودها”.
يقول بن طوبال إنه ومجموعة أعضاء الحكومة المؤقتة رفضوا الفكرة، لأنه لا يمكن توسيع المجلس إلا باستدعاء اجتماع فوق العادة ينتخب أعضاؤه بأغلبية الثلثين قبل إقرار المقترح.
واستنادا إلى شهادة بن طوبال، فإن مجلس الثورة قضى يومين في مناقشة مقترح خيذر وبن بلة، وقد تم رفضه في النهاية.
بعد رفض مقترح توسيع مجلس الثورة، عاد بن بلة للمشاحنات في الجلسة الموالية للاجتماع، حيث طالب صراحة بحل الحكومة المؤقتة، وساد الاجتماع نقاش حاد بعد احتجاج أعضاء الحكومة ورفضهم للمقترح بحدة، ووصلت الأمور لعرضها للتصويت، وقد اندلعت أزمة جديدة بسبب التفويضات التي يحوزها الطاهر زبيري، وكانت تفويضات لأسماء محل نزاع، كونها لا تنتمي لمجلس الثورة.
وبعد سلسلة أزمات، توصلت الجماعة إلى الحسم في جدول الأعمال، حيث اتفق الكل حسب شهادة بن طوبال على مسألة المكتب السياسي، حيث كانت النقطة الوحيد التي حققت الإجماع، فبمجرد طرح تركيبة المجلس للنقاش وتقسم المهام، عادت الخلافات والتناقضات للواجهة. ويشير بن طوبال في هذا الصدد إلى أن “بن بلة هاجم مباشرة بن خدة بوابل من الشتائم الفضة وذهب حد أن هدده بأن ينزع له السروال”.
تدخل صالح بوبنيدر “صوت العرب” قبل أن يتدخل بن طوبال، مخاطبا بن بلة: “ما فعلته محض جبن، لأنك لم تكن لتتجرأ أن تقول هذا الكلام لكريم أو بوصوف أو لي شخصيا، لماذا اخترت بن خدة؟ لأنك تعتقد أنه الأضعف، أنت لست رجلا”. ويعترف بن طوبال بأن الأجواء التي سادت الجلسة كانت “أبعد ما تكون عن النقاش السياسي”، فقد أكمل خيذر التهجم على رئيس الحكومة المؤقتة ورفعت الجلسة، لكن النقاش استمر خارج القاعة وحتي في مقاهي طرابلس وغرف الفندق.
ويعتقد بن طوبال أنه ولِفهم ما حصل يجب أن يوضع في سياقه، فبن بلة استغل خلاف قيادة الأركان مع الحكومة المؤقتة، وكان يعرف أن القوة الحقيقية مع جيش الحدود ويمكنه الاعتماد عليه، وكان قد بدأ فعلا في سلسلة لقاءات مع بعض وجهاء الجالية الجزائرية في تونس، فقد شعر بن بلة أنه بتجميع هذه القوى يمكنه أن يصبح زعيما للجزائر المستقلة.

لهذا تحالف بن بلة مع بومدين
يؤكد بن طوبال في شهادته أنه دعّم وزكّى بن بلة في البداية، فقد كان رجلا لديه “الكثير من الخصال”، ويضيف بن طوبال في شهادته عن بن بلة قائلا: “بن بلة رجل موهوب، لكنه دون وازع المظاهر جعلت منه رجلا يبدو ضعيفا صديقا صريحا ومخلصا”، ومن بين رفقائه المختطفين كان الوحيد الذي يبدو مسيطرا حتى لو لم نكن دائما على اتفاق معه وأن رفقاءه في السجن مجبرون على السير تحت إمرة “محتال”، ويقول بن طوبال إنه اعتقد أن بن بلة قادر على قيادة الدفة إلى بر الأمان.
لكن بن طوبال ما لبث أن غير راية في بن بلة واعترف بأن هذه الخصال التي اعتقدها في بن بلة هي التي دفعته في تونس إلى تدشين حملة دعم لصالحه، حيث تحدث إلى بومدين وبوصوف في الأمر قبل انعقاد دورة مجلس الثورة، وكان لا يمضى يومان من دون أن يستقبله هو وخيذر في بيته وبيطاط “كنا نتحدث على انفراد أو بحضور أعضاء من الجالية الجزائرية والذين تتم دعوتهم لهذه المناسبة”.
لكن يقر- بن طوبال- أنه أخذ في مراجعة موقفه من بن بلة قبل اجتماع طرابلس وقبل انعقاد مجلس الثورة، حيث ذهب هو وبوصوف من أجل الحديث معه ومحاولة إيجاد نقاط اتفاق حول تركيبة المكتب السياسي، ويقول بن طوبال إنه وخلال هذه الجلسة أخبرت بن بلة أنني أخطأت فيه فقد كان أمامي “وحش وليس رجلا ذا خصال مؤهل لقيادة الثورة”.
فبالنسبة لبن طوبال، فإن بن بلة الذي جاء إلى طرابلس لم يكن رجلا سياسيا وطنيا ولكن كان رجل “عصب”، كانت كل تحركاته تجري في اتجاه دعم هذا الحلف ضد هذا، وقد أدت تصرفات بن بلة- حسب بن طوبال- إلى تقسيم الثورة وكان هذا شيئا خطيرا جدا، بن بلة كان يريد عمل المستحيل أمام طموحاته.
وفي تحليله لأسباب خلاف بن بلة مع جماعة الحكومة المؤقتة فيقر بن طوبال أن بن بلة كان يكن كراهية عنيدة لبن خدة وهذا منذ أن تمت تزكيته كأمين عام لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، حيث اتهمه بكونه سبب بعض ما عاناه رجال المنظمة الخاصة “لوص”، وعندما صار بن خدة رئيسا للحكومة المؤقتة اعتقد بن بلة أنه سيزاحمه في الزعامة التي يعتبرها من حقه. فيما يرجع بن طوبال الخلاف بين بوصوف وبن بلة إلى أسباب جهوية، حيث يعتقد بن بلة أن بوصوف أساء لمنطقة وهران عندما كان قائدا للولاية الخامسة، في حين يعود خلافه مع كريم إلى خلافات ايديولوجية الذي لم يكن متحمسا كثيرا للطرح الوطني العروبي، فقد كان يؤمن بأن الجزائر حررها الجزائريون قبل كل شيء، هذا ما جعل كريم قريبا من بورقيبة ذو التوجهات الغربية وكان مثله – يقصد بن بلة – واحد من ركائز الثورة. فمع كريم لم يكن ممكنا لبن بلة أن يكون وحده قائد السفينة، لهذا فقد لجأ بن بلة للعب ورقة قيادة الأركان وكان يعرف أن هؤلاء كانوا يريدون تصفية كريم منذ أن عين محمدي السعيد على رأسها وتعزز هذا الشعور بمجيء بومدين، لأن وزير الحرب لم يخف يوما عداءه له.
تحت عنوان “انفجار الاجتماع”، تطرق بن طوبال إلى الخلافات التي سادت مجلس الثورة بعد أن استحال التقريب بين وجهات النظر. ففي البداية اتفق الكل أن عدد أعضاء المجلس لا يجب أن يتجاوز 6 أو7 أشخاص، وكان في البداية من السهل الوصول إلى اتفاق بشأن الخمسة مرشحين، ويؤكد بن طوبال في هذا الصدد أنه ولا عضو من أعضاء المجلس “الذين التقيت بهم في مقاهي أو فنادق طرابلس وضع تحفظات بشأن اختيار الخمسة المختطفين، وبقي الاتفاق حول العضوين المتبقيين”.
وحسب بن طوبال، فإنه فكر في اختيار محمدي السعيد هذا كان يمثل الولاية الثالثة، ويتوفر على عدة تفويضات التي تمكنه من اتخاذ القرارات، حيث كان يلقب بالثلث المانع”، لديه تفويض بسبعة أصوات ويمكن الحد من اتخاذ أي قرار مهم، لأن وحسب قوانين مجلس الثورة لا يمكن اتخاذه أي قرار إلا بأغلبية الثلثين. أما العضو الثاني الذي تم اقتراحه فهو بن علة وكان الوحيد الذي حقق الإجماع من بين الأسماء التي طرحت من جهة وهران التي كان يعتقد بن طوبال أنها لم تكن ممثلة بما فيه الكفاية رغم وجود بن بلة، لأن هذا الأخير يتم تقديمه على أساس بعده الوطني وليس ممثلا لجهة معينة.
عرض بن طوبال في هذا الجزء من الكتاب ردود الفعل عن الأسماء المقترحة لعضوية المجلس قائلا: بن بلة كانت له بعض التحفظات على محمدي السعيد ونسي أن هذا الأخير قد صوت للحكم بالإعدام على بومدين، مع العلم أن بومدين كان حليف بن بلة. ومن جهته تجاوب بوضياف بقسوة ولم يتقبل حضور بيطاط. بينما كان هو يدافع عن وجود محمدي وبن علة، فحسب بن طوبال وجودهما مفيد في المكتب السياسي ولكن بالنسبة لحليف بن بلة لم يكن الماضي السياسي وحده كافيا ولا الكفاءة تشفع لهؤلاء.
وفي سياق حديثه عن التحالفات التي أخذت تبرز بين مجموعة مجلس الثورة، بن بلة كان يعول على قيادة الأركان التي تملك قوة الجيش ودعم مصر التي أعطته ثقلا خارجيا لربح معركة السلطة وقيادة البلاد، وباقي الأشياء لم تكن تهمه.
أما بالنسبة لبومدين، فإنه من الناحية العاطفية والأيديولوجية فقد كان يميل أكثر لدعم بوضياف، لكن صرامة بوضياف وصراحته القاسية واحترامه الجاد لمبادئه كان حتما سيفقده التعاطف واللين الذي يمكن أن يحصل عليه داخل الجيش. فقد كان بوضياف يعتبر الولايات المرجع الوحيد والهياكل التي يمكنها أن تلعب دورا سياسيا، ففي اعتقاد بوضياف، فإن السبيل الوحيد للحصول على القوة السياسية يجب أن يكون الخلفية النضالية ولا يمكن الاعتماد على القوة للوصول إلى السلطة. ويقر بن طوبال أن بوضياف كان مخطئا في تحليلاته، لأن القوى السياسية لم تكن متجانسة وكانت الانقسامات سيدة الموقف، في حين كان هو مؤمنا أن القوة السياسية الأساسية كانت فقط الشعب الجزائري والمناضلين الثوريين ولم يكن ثمة داع للحصول مثلا على دعم بورقيبة أو محمد الخامس أو جمال عبد الناصر.
من جهته، لم يكن آيت أحمد مقتنعا بتركيبة المكتب السياسي الذي كان يفترض أنه ينتمي إليه، كان يشكو من المستوى السياسي والفكري لهؤلاء الأعضاء بصفة عامة والمخيب للآمال كان يحذر زملاءه من التضخم المزمن لبن بلة وأنانيته.
وفي سياق البحث عن الحلول لأزمة مجلس الثورة يكشف بن طوبال أنه عرض على بيطاط سحب ترشحه تجنبا لانفجار المكتب السياسي بعد أن واجه معارضة شديدة، لكنه رفض الانسحاب، وقال أنه “وفي حال غادر المكتب السياسي بوضياف ستتم تصفيته جسديا من طرف زهرة ظريف والتي دخلت بالفعل إلى الجزائر”. يقول بن طوبال: “فوجئت برده ورفضه الذي لم يكن له أي علاقة مع السياسية، ولكن رغم كل شيء خيذر لم تكن له تحفظات على المكتب السياسي، كان ضد بن خدة، وكان كل همه ذهاب هذا الأخير من الحكومة”.
يصف بن طوبال خيذر كونه رجلا مغرورا ومتكبرا، لأنه تعنت وأظهر معارضة شرسة للمكتب السياسي. وهذا في الوقت الذي كان يعول عليه أحد الباءات الثلاث في توحيد هذا المكتب.
موقف خيذر عقد الأمر وزاد من صعوبة إقناع الأعضاء السبعة بالعمل مع بعض، كما لم يكن أيضا سهلا إقناع أعضاء اللجنة الوزارية المشتركة للحرب بالانسحاب، خاصة كريم الذي أظهر مقاومة شرسة للفكرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!