-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل الاحتفال بالمولد بدعة؟

سلطان بركاني
  • 1828
  • 0
هل الاحتفال بالمولد بدعة؟

من السّهولة بمكان أن ينطلق المتصدّي للحديث في حكم الاحتفاء بالمولد النبويّ من الطقوس التي يقيمها بعض الجهلة في هذه المناسبة، ليجزم ببدعية هذا الاحتفال شأنه شأن الموالد الكثيرة التي يحييها بعض المتصوّفة، ولن يجد بعد ذلك أيّ غضاضة في التذكير بأنّ مولد النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- كان حدثا عاديا، لم يرتبط به شيء من الرسالة الخاتمة، ولا ذكره صاحب الرسالة بفضيلة أو مزية، ويغلق البحث على هذه النتيجة المتعجّلة.

لا يشكّ صاحب علم ولا ذو عقل في أنّ التصدّي لتلك المحدثات التي ارتبطت بالمولد، عمل صالح وسعي مشكور، خاصّة في مثل زماننا هذا الذي كثر فيه المتربّصون الذين لا يدّخرون جهدا في الصدّ عن الإسلام بإظهار وإشهار ما يفعله الجهلة من أتباعه.. لكنّ السؤال الذي يطرح هنا: ألا يمكن الاحتفاء بالمولد النبويّ من دون الحاجة إلى تلك الطقوس المبتدعة التي يأباها الدّين والعقل؟ وقبل ذلك: هل المولد حدث عادي، لا يستحقّ الاهتمام، حقيقة؟

القول بأنّ المولد النبويّ كان حدثا عاديا، ضرب من ضروب الجهل والعناد، لأنّ كتب السير قد أطبقت على أنّ الميلاد المبارك رافقته أحداث مهمّة، بعضها لم تصحّ به الرواية، لكنّ عددا منها جاء من طرق تصلح للاحتجاج، وبعضها متفق على صحته، ومن ذلك أنّ حادثة الفيل المشهورة حصلت في العام الذي ولد فيه النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-، وأمّه آمنة رأت رؤيا صالحة قبل ولادته أنّ نورا خرج منها أضاءت له قصور الشّام، وظهر نجم في السّماء يعرف بـ”نجم أحمد” رآه أهل يثرب وعرفه يهودها.. ولو لم يصحّ بين الأحداث التي رافقت المولد إلا هذه الثلاثة، لكفاها في الدلالة على أنّه ليس حدثا عاديا. وكيف يكون كذلك، وقد قال العبّاس في حضرة النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق؛ فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق” (المستدرك)؟

كان يمكن أن يولد النبيّ محمّد –صلّى الله عليه وآله وسلّم- ويترعرع في دنيا النّاس من دون أن يصاحب ذلك أيّ علامة فارقة، لكنّ الله –سبحانه- قضى أن ترافق ميلاده تلك الآيات، للدلالة على أنّ خروج هذا النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- إلى دنيا النّاس، نعمة من أجلّ نعمه –سبحانه- على عباده. لذلك كان –عليه الصّلاة والسّلام- يستذكر ذلك اليوم من كلّ أسبوع، فيصومه شكرا لله على نعمته، ففي صحيح مسلم أنّه –عليه السّلام- سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: “ذاك يوم ولدت فيه”.

نعم النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لم يزد على صيام هذا اليوم، لأنّه ما عهد عنه أنّه كان يطلب شيئا لنفسه، إنّما عاش حياته يطلب لدينه ورسالة ربّه، لكنّه في المقابل ما كان يمنع أحدا من أصحابه التعبيرَ عن حبّه بما لا يصل إلى الإطراء المحرّم؛ فربّما أخذ أحدهم يد النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- فوضعها على وجهه تبركا، وربّما أخذ شعرات منه يتبرّك بها، وربّما أخذ فضلة وضوئه، ومنهم من تبرّك بريقه وعرقه عليه الصّلاة والسّلام… كلّ هذا لم يأمر به النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- ولا طلبه، ولكنّه أقرّ عليه أصحابه مراعاة لتلك المحبّة التي تغمر قلوبهم لسيّد ولد آدم.

لم يعرف عن الصحابة الأبرار –رضي الله عنـهم- أنّهم احتفلوا بالمولد المبارك، لأنّهم كانوا في زمن كان النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- حيا بينهم تكتحل عيونهم بوجهه وتتشنّف أسماعهم بكلامه، وهكذا التابعون وتابعوهم الذين كانت آثار النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- لا تزال ماثلة بينهم.. لكن حين طال العهد بالنبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- أراد بعض المسلمين أن يعبّروا عن شوقهم لحبيهم المصطفى –عليه الصّلاة والسّلام-، فاحتفلوا بميلاده؛ فرأى بعض العلماء أنّ هذا عمل محدث، وتساهل بعضهم في تمحّل المبرّرات لكلّ أنواع الاحتفالات! بينما توسّط فريق من العلماء وقالوا إنّ حسنه حسن وقبيحه قبيح. ولعلّ هذا الرأي هو أعدل الآراء، لأنّه يراعي تغيّر واقع النّاس وبعد عهدهم عن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-. يقول ابن تيمية –رحمه الله-: “فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله –صلـى الله عليه وسلم- كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد”.

ولأجل هذا كان أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مع شدّة حرصهم على اجتناب البدع والمحدثات، يحيون المولد النبويّ كلّ عام، لأنّهم رأوا أنّ الحكمة تقتضي استثمار المناسبة في إعادة المسلمين إلى طريق النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- ورحاب سنّته، وليس في الانشغال بإثبات بدعيتها ومخالفتها لما كان عليه الأوّلون.

قال الإمام ابن باديس –رحمه الله- (كما في  مجالس التذكير: ص289): “ما الدّاعي إلى إحياء هذه الذّكرى؟ المحبّة في صاحبها. إنّ الشّيء يحبّ لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذّكرى قد جمع -على أكمل وجه- بينهما”.

وقال أيضا: “فمن الحقّ والواجب أن يكون هذا النّبيّ الكريم أحبّ إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن النّاس أجمعين، ولو لم يقل لنا في حديثه الشّريف: “لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين”. وكم فينا من يحبّه هذه المحبّة ولم يسمع بهذا الحديث؟ فهذه المحبّة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كلّ عام.. ما الغاية من تجديد هذه الذّكرى؟ استثمار هذه المحبّة.. إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا ،ونشرها في غيرنا” (مجالس التذكير).

ويقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي: “إحياء ذكرى المولد النبوي إحياء لمعاني النبوة، وتذكير بكل ما جاء به محمد –صلـى الله عليه وسلم- من هدى، وما كان عليه من كمالات نفسية؛ فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أن يذكّروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم، وبما كان لديهم من استعلاء بتلك الأخلاق.. لهذه الناحية الحية نجيز إقامَ هذه الاحتفالات، ونعدّها مواسم تربية، ودروس هداية، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة” (آثار الإمام محمّد البشير الإبرهيمي: 2/ 343).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!