هل في “الخارجية” ربان وبوصلة؟
لم يكن النجاح الدبلوماسي الجزائري المتواضع والهش في النزاع المالي، أكثر من شجرة تحجب عن أبصارنا الغابة، لأن الجزائر أصبحت في الوقع بلا سياسة خارجية واضحة لبلدٍ سبق له أن لعب ببراعة مع الكبار في ملفات وأزمات دولية كبيرة، وظف فيها الرصيد المعنوي الموروث من ثورة التحرير، وشبكة من العلاقات الجيّدة في القارات الخمس.
انكشاف عورة السياسة الخارجية بدأ مع فشل الجزائر في منع توظيف الجامعة العربية لمنح الغطاء لعدوان “النيتو” على بلد جار، كنا نعلم أن ضرب الاستقرار فيه هو استهدافٌ مباشر للاستقرار والأمن في منطقة المغرب العربي، يضاف إلى بؤرة التوتر المزمنة على حدودنا الغربية، وقد غاب في الملف توظيف ما كان يُحسب للدبلوماسية الجزائرية من حضور قوي داخل الاتحاد الإفريقي، وعلاقاتها الممتازة مع روسيا والصين.
غير أن الحالة الكاشفة لغياب سياسة خارجية براغماتية مرنة، هو الفشل في قراءة التحولات الكبرى التي يشهدها الفضاء العربي، تتجلى يوما بعد يوم في إعادة ترتيب البيت العربي داخل الجامعة العربية حول قطب سعودي مصري، مرشح للعب الأدوار الأولى في قرارات الحرب والسلم في المشرق كما في المغرب، نراه يختبر قوته ومقدار تجاوب بقية الدول العربية معه في الأزمة اليمنية، التي أراها تتحول إلى بؤرة نار يصهر فيها المعدن الذي سيتشكل منه القطب العربي الجديد، على خلفية تواصل الانسحاب الأمريكي المنتظم من أزمات المنطقة، وتهافت قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ كما تفعل فرنسا وروسيا والصين…
واقع الحال يقول إن فرص إحياء الفضاء المغاربي منعدمة في أجل منظور، وإن شركاءنا فيه شرقا وغربا منخرطون في أجندات خاصة، ولا يمكن التعويل عليهم لا في المساعدة على تسوية مغاربية للأزمة في ليبيا، أو الاطمئنان لصداقتهم، أو حتى لوقوفهم على الحياد، لو قدّر لأزمة الصحراء الغربية أن تُستغل كصاعق يفجر مواجهة عسكرية بين الجزائر والمغرب، وقد أغلق الفضاء الإفريقي بحزام الفوضى التي تديرها فرنسا والولايات المتحدة في الساحل، ولا يُنظر إلينا اليوم في إقليم الحوض الغربي للمتوسط إلا كوكلاء أمنيين لحراسة حدود أوروبا.
وسواء شئنا أم كرهنا، فإن الفضاء الوحيد الذي بقي لنا هو الفضاء العربي، الذي أهملنا فيه رعاية مصالحنا، وأضعنا مواقع نافذة فيه، بعد أن كنا الدولة التي احتضنت توليد الدولة الفلسطينية، وفتحت أبواب الأمم المتحدة لمنظمة التحرير، ورعت الاتفاق العراقي الإيراني لوقف الحرب وترسيم الحدود، ورعت تسوية أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، وكانت حاضرة بقوة في حروب العرب مع الكيان الصهيوني بالدم والسلاح والمال.
النأي بالنفس اليوم عن أزمات الفضاء العربي، وانتهاج سياسة الكرسي الشاغر في الوقت الذي يعاد فيه توزيع الأوراق والأدوار، وتشكّل محاور وتحالفات جديدة، وربما قيام حالة عربية جديدة، قد يتولد منها نظام عربي رسمي أقل سوءاً، هو خيار انتحاري، خاصة مع التوغل الفرنسي الجديد في الخليج، وسعي المغرب إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وبروز أطماع مصرية متعاظمة في وضع اليد على ليبيا.