هل من مصلحة أوروبا استقلال الرّيف عن المغرب؟
منطقة الريف، التي ترفض، تاريخيا، البقاء تحت الاستعمار المغربي، هي واحدة من المناطق التي تعرضت لأبشع أنواع الظلم والقمع في العالم، وهي، أيضا، أكثر منطقة منسية تمارَس ضدها أسوأ سياسات المخزن المهينة الصامتة من تهميش وقمع.
حين باع ملك المخزن، عبد الحفيظ، بلده المغرب سنة 1912م لفرنسا، امتشق أبناء الريف الأحرار السلاح يدافعون عن سيادة بلدهم- الريف-، وما إن حلت سنة 1921م حتى أسسوا جمهورية ديمقراطية لها عَلم ورئيس ودستور وشعار ورفضوا المَلكية، ورفضوا الانضمام للمغرب. بما أن الاستعمار الفرنسي والإسباني لم يستطيعا القضاء على جمهورية وجيش الريف، فقد استعانا بقوات المخزن المغربي من فاس ومراكش، فتم التنكيل بالريفيين الأحرار على يد عصابات وقوات المخزن المغربي، أصحاب القبعات الحمراء بمساعدة الطيران الإسباني والفرنسي وباستعمال المواد الكيميائية. كان ثمن مساعدة المخزن للاستعمار الفرنسي والإسباني في القضاء على ثورة ودولة الريف، برئاسة عبد الكريم الخطابي، هو تسليم منطقة الريف وشعبها الثائر، بالقوة للمخزن بعد “الاستقلال” سنة 1956م.
سياسة التدمير الممنهج ضد السكان
بعد “استقلال” المغرب الشكلي سنة 1956م، رفض الريفيون الأحرار الحكم الملكي والاستعمار المخزني، فقاموا بالثورات تلو الثورات، لكن كل تلك الثورات كان يتم إغراقها في الدم والقتل، وكانت عصابات المخزن من مراكش وفاس تتفنن في التنكيل بالريفيين الأبطال. بين سنتي 1958م و1959م، خاض الريفيون ثورة حقيقية ضد الاستعمار المغربي، وعلى مدار أكثر من سنة بقي الريف تحت الحصار وحظر التجوال والقتل والسجن والتهديد، وبدأ المخزن سياسته الخطيرة لتصفية المنطقة من سكانها الأصليين ليقضي- بعامل الوقت- على أي ثورة مستقبلية أو عصيان مدني في تلك الدولة الصغيرة المحتلة. انتهج المخزن ضد عصيان شعب الريف سياسة إرهابية من عدة محاور: الأول، تجويع سكان الريف وتهميشهم واستغلال ثروات منطقتهم؛ الثاني، غزو منطقتهم ببشر من مختلف مناطق المغرب لتذويب السكان الأصليين في بحر من المغاربة القادمين من الأرياف والجبال؛ الثالث، فتح لسكان الريف باب الهجرة الشرعية وغير الشرعية بالاتفاق مع فرنسا، فهاجروا بالآلاف إلى أوروبا تحت ضغط الفقر والترهيب؛ الرابع، تم تجويع السكان الذين لم يهاجروا، وحين اندلعت حرب 1967م تم الدفع بهم إلى جبهات القتال في سوريا والجولان فمات منهم الكثيرون؛ الخامس، حين اندلعت حرب الصحراء الغربية، زج المخزن بأبناء الريف الفقراء إلى أتون تلك الحرب فمات منهم فيها نحو 16 ألف جندي، ومن لم يمت بقي منفيا في الحزام الرملي في الصحراء الغربية. تم إعدام العشرات منهم بعد محاولة ضباط الريف الأحرار الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971م، كما تم الزج بالمئات منهم في السجون.
رغم هذه السياسات الإجرامية، ظل أحرار الريف يقاومون، ينتفضون، يطالبون بحقوقهم في الحرية والاستقلال، لكن، بالمقابل، ظل المخزن يمعن في قمعهم وتقتيلهم وتشريدهم إلى اليوم. آخر انتفاضة خاضها الريفيون الأحرار كانت انتفاضة سنتي 2016م و2017م، وتم قمعها بوحشية، وحُكم على قادتها، مثل الزفزافي، بعشرات السنوات في السجن.
تهديد المخزن يدفع أوروبا باتجاه دعم دولة الريف
الآن تعيش أوروبا هاجس خوف حقيقي مصدره المغرب. فالمغرب يمتلك أقوى ثلاث وسائل تهديد تخشاها أوروبا مستقبلا وهي الإرهاب، المخدرات والهجرة. من بين الوسائل الثلاث تخشى أوروبا أكثر ما تخشاه غزو المهاجرين المغاربة والمهاجرين الأفارقة الذين يجلبهم المغرب من الساحل ليهدد بهم ضفة البحر المتوسط الشمالية. وعي أوروبا بخطر المغرب، وبخطر سياسته الابتزازية التي يوظف فيها الهجرة والإرهاب كسلاح، يفرض عليها أن تفكر تفكيرا جديدا وجديا في خطة غير تقليدية كي تكبح بها جماح المغرب المقبل على الانفجار. هذه الخطة البديلة يمكن أن يلعب فيها الريف رأس الحربة. فالشعب الريفي هو شعب متحضر، شعب ديمقراطي، ويعتبر نفسه شعبا أوروبيًا في إفريقيا، ويسعى لإحياء جمهوريته الديمقراطية في منطقة الريف، وهذه المميزات تُسهل التعامل معه، وتُسهل تفادي الابتزاز المخزني. النقطة الثانية المهمة، هي أن منطقة الريف هي منطقة ساحلية طويلة ومواجِهة لأوروبا، ومن شأنها أن تقضي على تهديد الهجرة، وتكون حاجزا بين المغرب الخطير وأوروبا، كما من شأنها أن تكون منطقة سياحية آمنة تحفز السياحة بين ضفتي المتوسط. الوضع الذي يعيشه المغرب الآن مخيف، والانفجار يمكن أن يحدث في أي لحظة، وأوروبا هي أكبر ضحية لأي فوضى تحدث في المغرب. إن فكرة إقامة دولة في الريف كحاجز مع المغرب تبدو فكرة مغرية للغاية لأوروبا ولشعب الريف.
الريفيون يغازلون أوروبا ويعرضون مشاريع التعاون
الآن تتحرك القوى الحية والسياسية في الريف بنشاط وبمشروع سياسي طموح ومقنع وهو الثورة، وإحياء مشروع جمهورية عبد الكريم الخطابي. إنه مشروع يخدم جيو-بوليتيك أوروبا الخائفة من المخزن، ويخدم مصالح دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط. تبدو إسبانيا أكثر دولة أوروبية يجب أن تهتم بالمشروع الريفي الطموح؛ فهي مهددة بأن تخسر سبتة ومليلية في يوم قد يبدو قريبا، والحل الوحيد للحفاظ عليهما هو أن تدعم دولة جديدة ديمقراطية جارة للمدينتين المهددتين، تكون حاجزا بينها وبين البعبع المخزني.
على ما يبدو، نشطاء الريف ومناضلوه واعون تماما بأهمية إقناع أوروبا بدعم دولة في الريف؛ دولة تتعهد بمحاربة الهجرة غير الشرعية، تحترم المعاهدات الدولية وحقوق الإنسان، وتساعد إسبانيا في الحفاظ على سبتة ومليلة وتقضي على الابتزاز المخزني. في هذا الإطار، يقول الناشط الريفي، رضوان اسامة، رئيس الحزب الوطني الريفي، في مقابلة له مع جريدة Independiente الإسبانية الصادرة يوم 25 يوليو: “إن إسبانيا يهمها استقلال الريف لتحرير نفسها من ابتزاز الهجرة الذي يمارسه المغرب ومن مطالبته بسبتة ومليلية”. ويواصل الناشط الريفي، قائلا: “على مدى السنوات الخمس الماضية، قطعنا آلاف الكيلومترات عبر أوروبا للترويج لمشروعنا. تواصلنا مع المؤسسات الأوروبية، لكننا لم نتلقَّ أي رد. إنه نوع من الصمت، لأنهم يخشون المغرب وابتزازه في مجالات الهجرة والأمن والإرهاب”. ورغم قناعة أوروبا بأن دولة في الريف ستكون حاجزا مع المغرب التوسعي، إلا أنها لازالت تخشى تبعات التصريح بأي أفكار حول دعم دولة في الريف. يضيف الناشط الريفي: “نأمل أن تتغير الديناميكية. لدينا قضايا تؤثر على أوروبا، ونريد أن نكون الحل. على إسبانيا وفرنسا أن تنظرا إلى بعضهما البعض، وأن تحترما تاريخهما، وأن تعترفا بأنه في عام 1956م، ارتكبتا غلطة بنقل شعب وأرض إلى نظام آخر دون استشارته أو أخذ رأيه”. إذن، أوروبا، خاصة إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، مطالبة الآن أن تقف أمام المرآة وتتأمل الوضع جيدا. فدعم قيام دولة ناضجة وناجحة في الريف شمال المغرب ستكون صمام أمان في وجه الابتزاز المخزني.