هل هي حرب إعلامية صليبية جديدة؟
يخطئ من يعتقد أن فيلم “براءة المسلمين” المسيء إلى الرسول محمد(صلعم) هو من إنتاج شخص اسمه نيكولا باسيلي نيكولا، الذي يستخدم أسماء مستعارة لتضليل الرأي العام حول هويته؟ ويخطئ من يعتقد أن مجموعة “أعلام من أجل المسيح” هي التي مولته؟ ويخطئ من يظن أن الهدف من الفيلم هو الإساءة الى الإسلام فقط؟.
ويخطئ من يقول أن زيارة بابا الفاتكان إلى بيروت، هي مجرد “زيارة بريئة” وأن خطابه مجرد “خطاب ديني”، فهناك حرب إعلامية صليبية جديدة على الإسلام والمسلمين بدأت مع تقسيم السودان إلى دولتين (دولة إسلامية وأخرى مسيحية)، ويراد أن تعمم على الوطن العربي بإنشاء دويلات أخرى مثل دولة قبطية في مصر يدعو إليها موريس صادق، رئيس ما يسمى “الهيئة العليا للدولة القبطية” من أمريكا بعد “مجزرة ماسبيرو”.
.
فيل الأنجيليين وحمار أوباما
شكل الثنائي الإنجيلي المحامي موريس القبطي، والقس الأمريكي تيري جونز، تنظيما إعلاميا دينيا صليبيا ضد الإسلام والمسلمين، يراد منه تحقيق حلم قديم ولد على يدي القُسَّين الإسبانيين إيليوجيس وألفاروس، اللذين نظما العمليات الإنتحارية الإرهابية ضد المسلمين والتي كانت أولى بذور الحرب الصليبية الأولى على المسلمين.
يحاول أصحاب فيلم “براءة المسلمين” تضليل الرأي العام الأمريكي بأن “الحمار” هو أول من أسلم عند العرب، و”الحمار” هو شعار “الحزب الديموقراطي الأمريكي” الذي رشح الرئيس أوباما إلى عهدة ثانية، وباعتبار أن الكنيسة الإنجيلية هي التي تقف وراء الفيلم وهي تنتمي إلى “الحزب الجمهوري الأمريكي” الذي شعاره “الفيل” فإنها تذكرنا بفيلة الحبشة التي حاولت تهديم الكعبة، فهل تستطيع اليوم تهديمها إعلاميا.
من يعود إلى تاريخ الإساءة إلى الإسلام، يجد أنها مرتبطة بالكنيسة والصراع على الحكم، فتارة تلبس قناع السياسة وأخرى قناع الدين، ويذكر المؤرخون أن الدولة الأموية حين تخلت عن أحد رجالها المسيحيين “يوحنا الديمشقي (676 – 746م) دفعته الكنيسة إلى التطاول على الرسول (صلعم) بإصدار كتاب بعنوان “هرطقةّ”، وحين انتشرت الحضارة العربية في إسبانيا تحركت الكنيسة لترويج إشاعة تقول بأن محمدًا (صلعم) “رسول مسكون بالجن”، وهي العبارة التي التقطها الكاتب مارتن لوثر (1483 -1564م) ونشرها في مقالة له ادعى فيها: “أن محمدًا هو الشيطان وأول أبناء إبليس”، وحين انتصرت الثورة الخمينية في إيران ظهر كاتب بريطاني اسمه سلمان رشدي برواية “آيات شيطانية” التي استوحى أصحاب “براءة الإسلام” بعض مشاهده، ولما توغلت منظمة “أمة الإسلام” في مجتمع السود الإمريكيين تحركت دار نشر تابعة لأحد الإنجيليين ونشرت كتيبا في 26 صفحة بتوقيع مستعار(عبد الله عزيز) وبعنوان “محمد صدِّق وإلاّ” عام 1997م يحمل رسوما مسيئة للرسول (صلعم) كانت مصدر إلهام أصحاب الرسوم الكاريكاتورية الإثني عشر التي نشرتها صحيفة دانمركية في 30 سيبتمبر 2005 م.
قد يعتبر البعض هذه الأعمال فردية، وربما يستشهد بأعمال أخرى مثل كتاب “حياة محمد” للمؤلف الفرنسي سبوردي ريار الصادر عام 1719م، أو كتاب “نبي الخراب” لكريك ونن الصادر في نوفمبر 2001م، أو الموسوعة العلمية الإلكترونية Encarta 2006
وإذا كان القس تيري جونز، تجرأ على حرق المصحف الشريف في ذكرى أحداث الثلاثاء 11 سيبتمبر 2001م، ولم يعاقب مما شجع الإنجيليين الصهاينة على استفزاز المهاجرين المسلمين في أمريكا المساندين للحزب الديموقراطي، فإن المحامي موريس صادق يقتدي بفكرة الجزائري فرحات مهني، الذي يدعو الى الإنفصال الذاتي لمنطقة القبائل بهدف دفع الأقباط المصريين الى المطالبة بالحكم الذاتي سعيا إلى الإنفصال.
والسؤال الذي يُطرح اليوم هو ما علاقة هذه الحملة الإعلامية المشبوهة بالربيع العربي؟ وهل لزيارة بابا الفاتكان لبيروت نية حسنة؟.
يرى مراقبون أن الحبر الأعظم بنديكتوس السادس عشر، أول من لجأ إلى كتب اللاًّهوت المعادية للإسلام، فقد ألقى في اليوم الثاني من الذكرى الخامسة لأحداث سبتمبر بتاريخ 12 / 9 / 2006م محاضرة في جامعة ألمانية بعنوان “الإيمان والعقل والجامعة: ذكريات وانعكاسات” توقف فيها عند ما سماه “العقل والعنف في الديانة الإسلامية” استند في ذلك الى نص لاهوتي أعاد نشره تيودور خوري الألماني، ذو الأصل اللبناني نقلا عن الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1350 -1425م) وملخصه أن “من يؤمن بالإسلام لا يصلح لأن يمارس حوار الحضارات”، وما يؤسف في الموقف الذي اتخذه بابا الفاتكان في نهاية محاضرته هو قوله حرفيا: “العقل الذي يكون الجانب الرباني أصم والدين ينتمي إلى الثقافات الثانوية هو عقل غير صالح لحوار الحضارات”، وبالرغم من ردود الأفعال التي أثارها موقفه فإن السؤال الذي يطرح اليوم هو: ما الذي جاء به إلى لبنان لدعوة المسيحيين العرب إلى التعايش مع المسلمين، وهو يدرك أن العرب لا يفرقون بين مسلم ومسيحي حتى في الحروب الأهلية التي وقعت في بعض الأقطار العربية.
والحقيقة التي لا تقال هي أن الزيارة تدعو الى الفتنة، مثلما يدعو الفيلم المسيء للرسول (صلعم) وعبارات الساسة الغربيين التي وصفت انتفاضة الشعوب الإسلامية ضد الانتقاص من الاسلام والمس برسولنا (صلعم) بـ”الغوغائيين”، والحقيقة الثانية هي أن فشل التيار التغريبي في الوصول الى السلطة بعد نجاح الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا دفع بأعداء الاسلام إلى إثارة مشاعر الغضب لدى الجماهير في هذه الدول حتى لا تستكمل بناء مستقبلها، والحقيقة الثالثة هي أن الدول التي لم يتحرك فيها الشارع للتظاهر هي الدول التي ربما قد تشهد ثورات عنيفة، وهذه الدول ينطبق عليها الحديث الشريف: “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الآكلة على قصعتها، قالوا: أو من قلة يارسول الله؟ قال: “بل أنتم كثَّرٌ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.
إن فيلم “براءة المسلمين” يمثل خطاب كراهية وتحريض ضد الجاليات المسلمة في جميع أنحاء العالم، وهو بمثابة دعوة صريحة إلى تبرئة المسلمين من الإسلام الذي هو عقيدة أكثر من مليار و500 مليون شخص، وتقف وراء هذه الحملة الإعلامية الصليبية الكنيسة الإنجيلية الموجودة حاليا في بعض الأقطار العربية ومنها الجزائر.