هولاند بين تنصير الجزائر وأسلمة فرنسا
تمتاز الجزائر وعموم المغرب العربي منذ قرون بوحدة المذهب وهو المذهب المالكي أحد المذاهب السنية دون أن يمنع ذلك من وجود مذاهب سنية أخرى مثل الحنفي والحنبلي والشافعي، وكذلك المذاهب غير السنية مثل الشيعة، وتشكل الإباضية ثاني أكبر المذاهب في الجزائر وهي بنظر البعض مذهب غير سني وغير شيعي في الوقت ذاته.
وبهذا التعايش الكبير والطويل بين المذاهب الإسلامية، تكون الجزائر مؤهّلة سياسيا ومذهبيا واجتماعيا لتقريب وجهات النظر بين مختلف توجهات الفكر الإسلامي، وكانت الجزائر منذ عام 1968، وباقتراح من فيلسوف الإسلام مالك بن نبي وبإشراف من المثقف الموسوعي الجزائري مولود قاسم بدأت تنظم كل عام ملتقى الفكر الإسلامي يشارك فيه علماء وباحثون ورجال دين من مختلف دول العالم من مسلمين ونصارى، وقد نجح الملتقى في إقامة حوار يقرّب وجهات النظر بين المسلمين بعضهم بعضا، وبينهم وبين الآخرين، وكذلك في بحث عديد القضايا الهامة على ضوء ما توصل إليه العلم الحديث سواء في جانبه الإنساني أو التطبيقي، وفجأة وحين أوشكت هذه الملتقيات على الإتيان بثمارها ألغيت لأسباب لم تقنع أحدا.
وأعتقد أن الجزائر بإمكانها إعادة هذا المنتدى الفكري الإسلامي باسم جديد وبروح أكثر انفتاحا تهدف إلى إعادة التوازن المادي والروحي للإنسان المعاصر يشارك فيه الصوفيون والسلفيون والمفكرون الإسلاميون وغير المسلمين، يتدارسون فيه الحياة الروحية للمسلمين وأساليب استجابتها للعصر وانفتاحها على الآخرين وتطوير الفقه وتأكيد عالمية الإسلام والحفاظ على جوهره القرآني، ويمكنها الاستفادة من إرث الأمير عبد القادر الذي حمى المسيحيين في دمشق، بل والتنسيق مع سوريا لإعادة الاعتبار لمنزله في حي العمارة الدمشقي وجعله منارة لهذا الحوار بين الأديان، وكنت قد اقترحت على الحكومة الجزائرية وشرعت فعلا في ذلك، لكن بعض قصيري النظر منعوا المشروع من الوصول إلى غاياته؛ ففي الجزائر فئة الفرنكوفون النافذة في دواليب الدولة والمعروفة بجهلها الواسع وتبعيتها المطلقة تقف ضد أي جهد حضاري حقيقي يمكن أن تقوم به الجزائر، وهي لم تقف عند إلغاء ملتقيات الفكر الإسلامي تلك، بل طلعت على الناس بالقول بـ”إسلام جزائري” تراه مختلفا عن “الإسلام المشرقي”، وكأن الإسلام حالة جغرافية رسمت حدودها الدول الاستعمارية، أو كأن الإسلام متعدّد وليس إسلاماً واحداً.
بالتأكيد أن العزلة سواء كانت سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو عرقية تضر، بل أضرت فعلا بالجزائر، وهي غير ممكنة في عالم اليوم الذي يمر في حالة غير مسبوقة من التثاقف بين الأمم، سواء في مكوناتها أو بين بعضها بعض، فلم تعد العزلة الدينية أو القومية تنفع فردا أو جماعة أو أمة أو دولة؛ والجزائر باعتبارها الحضاري مجتمعا وتاريخا ونضالا يعطيها المكان والزمان في هذه الأيام فرصة قد لا تتكرر لإعادة التوازن الروحي لبني الإنسان، ولعل الفرنكوفونية المهترئة في فكرها وأدائها تفهم -إن كان لديها بقية من فهم- أن فرنسا التي كانت قبل قرن من الزمان أو أقلّ تسعى بكل قواها لتنصير الجزائريين وعموم أهل المغرب العربي، هاهي تتأسلم فالدين الإسلامي يزحف على فرنسا مع عقرب الساعة، بل إن المسلمين الفرنسيين يحضّرون بنادقهم؛ فهذه النقلة من تنصير الجزائر إلى أسلمة فرنسا لا توازيها غير جزأرة فرنسا، بدلا من فرْنسة الجزائر التي كانت همّا من هموم الاستعمار اليومية، وكل هذا درسٌ أمام هذه الفئة الفرنكوفونية إن كانت لديها قدرة على الاستفادة من الدرس قبل أن ينتهي.
لذلك فإعادة التفسير على ضوء تجارب الأمة التاريخية، بدءا من تجربة المعتزلة العلمية والفلسفية، وصولا إلى تجربة المالكيين الانفتاحية وتجارب الأوروبيين والآسيويين في العلوم التطبيقية، كفيل بأن تجعل التوازن الروحي للإنسان رسالة جزائرية للعالم في دورته الحضارية الثالثة يشارك فيها رجال التصوف والزوايا وعلماء السلفية، وإلا فإن الخمسمائة شركة التي جاء الرئيس هولاند لترسيخها قادرة على أن تلتهم الجزائر وإفريقيا كلها من جديد وتسوق الناس إلى حروب جديدة تتضاءل أمامها حروب القرنين التاسع عشر والعشرين التي دفع فيها الجزائريون والعرب والمسلمون ملايين الضحايا.