-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وأنَّ المَسَاجِدَ لله

سلطان بركاني
  • 4485
  • 0
وأنَّ المَسَاجِدَ لله

بحجّة “إصلاح الخطاب الدّينيّ”؛ هذا المشروع الذي يراد فرضه على المسلمين دون سواهم من أتباع الديانات والملل، وعلى أهل السنّة دون غيرهم من طوائف أهل القبلة؛ انبرت جماعات الضّغط العلمانية في مختلف دول المسلمين، في السّنوات الأخيرة، تطالب الجهات المسؤولة بفرض نمط معيّن من الخطاب الديني المعروض في المساجد ووسائل الإعلام، يتواءم مع الأطروحات العلمانية التي تنظر إلى الدّين على أنّه شأن شخصيّ لا علاقة له بمناحي الحياة العامّة، وترى أنّ مكانه في زوايا البيوت وبين جدران المساجد.

وقد استجابت كثير من الحكومات العربية والإسلامية لهذه المطالب المتناغمة مع الإملاءات الغربية، راغبة غير مكرهة، ولم تكتفِ بسعيها لتوجيه الخطاب الدّينيّ، حتى سعت في توظيفه لتكريس واقع الحال، وغدت الخطابات الدينيّة في كثير من دول المسلمين أشبه ما تكون بالبيانات التي يقرؤها الصحفيون في النشرات الرئيسية للقنوات الرسمية، مع فارق بسيط هو أنّ الأولى تصاغ صياغة دينية، لتؤدّي الدّور نفسه الذي تؤدّيه الثانية.

تناقض صارخ وقعت فيه كثير من الجهات المسؤولة التي استجابت طوعا للنداءات الغربية والعلمانية الداعية إلى إبعاد الخطاب الديني عن الشّأن العامّ، لتقايض استجابتها هذه بتوظيف الخطاب الدينيّ في إبقاء دار لقمان على حالها، وفي صرف الأنظار عن أيّ تغيير منشود، على اعتبار أنّ أيّ تغيير مهما كان سلسا، يفتح الأبواب على المجهول، ويؤدّي بالضّرورة إلى الفتن والقلاقل والفوضى!

 

فرسان المنابر وواجب البلاغ عن الله

يُفترض في خطباء المساجد أنّهم من يصنع ويوجّه ويصحّح قناعات المجتمع، وهم جديرون بهذا الدّور متى ما استشعروا أنّ رسالتهم هي البلاغ عن الله جلّ وعلا، ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)) (الأحزاب، 39)، ومتى ما أحسّ المجتمع بأنّ خطابهم ينطلق من قناعات شرعية، وليس خاضعا لإملاءات فوقية، تتحرّك به قلوبهم قبل ألسنتهم، وجوانحهم قبل جوارحهم، وسمع منهم الحديث عن حقوقه قبل الحديث عن واجباته.. المجتمع ما عاد يصغي كثيرا إلى الإمام الذي يحدّثه عن واجباته تجاه وطنه الغالي ولا يحدّثه عن حقوقه التي غدت كأضغاث أحلام أو كطيف يزوره في المنام، ولا يعطي أيّ قيمة لإمام يفصّل ويؤصّل في الحديث عن الأخطاء المستشرية في المجتمع، ولا ينبس ببنت شفة في انتقاد الأخطاء القاتلة التي يقع فيها المسؤولون على اختلاف درجات مسؤولياتهم.. رواد المساجد يقدّرون جيّدا الأوضاع التي تعيشها بعض بلاد المسلمين، ولا يريدون بل ولا يقبلون خطابا عنيفا يفتح أبواب الفتن، لكنّهم يريدون خطابا ناصحا أمينا يوجَّه إلى المسؤولين وولاة الأمر يزامن الخطابات التي توجّه إليهم. وإذا كان الإمام لا يؤدّي واجب النّصح لأئمّة المسلمين أي حكّامهم، فربّما لا يقبل نصحَه عامّتُهم، ومن ثمّ لا معنى لأن تطمع الجهات المسؤولة في أن يؤتي الخطاب الذي يكلّف الأئمّة بتبليغه أُكلَه، وإذا كان ولاة الأمر يريدون أن تكون لكلمة الإمام مصداقيتها في الأوقات الحرجة، فليكونوا قدوة للمجتمع في احترام كلمته وفي الإصغاء إلى نصحه وتوجيهه، في كلّ الأوقات. 

 

هكذا يُزرى بفرسان المنابر

إنّه ليس مفهوما أبدا أن تعدّ أنفاس الإمام كلّما تحدّث في قضايا الشّأن العامّ، ويتّهم بتسييس الخطاب المسجديّ، وإخراج المسجد عن دوره الرّوحيّ، ثمّ يقحم في السياسة فجأة وبطريقة مزرية تقزّم صورته وتزري به في أوساط المجتمع… لقد أصبح عامّة النّاس يفقهون دور الإمام، وأضحوا يطالبونه بأن يوجّه خطابه إلى الجهات المسؤولة في عديد القضايا التي تمّ تحييد الدّين عنها، ويستنكرون منه أن يتذكّر دور الدّين في إصلاح الشّأن العامّ فقط في المواسم التي يراد له أن يتذكّره فيها، ويزيد الطّين بلّة حينما يتبنّى خيارا واحدا، يقدّمه على أنّه الخيار الشرعيّ الأوحد الذي يرتضيه الله، وأنّ ما سواه إثم وفساد، مع أنّ المسألة محلّ نظر واجتهاد، والخيار المقدّم هو واحد من خيارات أخرى تتباين حولها الاجتهادات، بين أهل العلم والأئمّة أنفسهم، وتتّسع الهوة أكثر بين الأئمّة والمجتمع حينما يسمع رواد المساجد من الخطباء كلاما في المجالس الخاصّة، وآخر على المنابر، ويعلمون أنّ الخطاب الذي يريد أئمّتهم إقناعهم به، هو الخطاب الذي أملته عليهم جهات سياسية، وليس الخطاب الذي قادتهم إليه اجتهاداتهم وتقديراتهم، ولا الخطاب الذي استقوه من العلماء والحكماء المتجرّدين.

إنّ مثل هذه القرارات الارتجالية، التي يتمّ اتّخاذها في بعض المناسبات، ستؤدّي بالضّرورة إلى تعميق الشّرخ بين الأئمّة والمجتمع، وهو ما يلحظه كلّ متابع لما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعيّ، ويجده من يخالط النّاس ويسمع آراءهم في قضايا الشّأن العامّ “الموسميّة”. 

 

إنّها بيوت الله

المساجد هي بيوت الله جلّ وعلا، تبنى وتشيّد وتفرش وتؤثّث بأموال الأمّة، ليُعلى فيها ذكر الله، وتَسمع فيها الأمّة ما يريده منها الله، ولا يجوز لها أن تتحوّل إلى أماكن ينتصر فيها الأئمّة لآراء وأفكار وتقديرات بشريّة على أخرى.. المصلّون ينسلون إلى المساجد كلّ جمعة ليجلسوا بين أيدي الأئمّة، وكلّهم آذان مصغية، على أمل أن يسمعوا خطابا يحبّ الله لهم أن يسمعوه، ويعلموا ويتعلّموا ما يريده منهم مولاهم الواحد الأحد، ولا يأتون المساجدَ ليسمعوا الخطابات التي تريد لهم هذه الجهة أو تلك أن يسمعوها.. وليس يجوز أبدا لأيّ جهة لا علاقة لها بالعلم أن تملي على الإمام ما ينبغي أن يقوله أو توجّه خطابه في منحى ربّما تراه يخدم الصّالح العامّ، وقد يكون كذلك، لكنّ التّقدير والمبادرة ينبغي أن يتركا للإمام الذي يستأنس هو الآخر بآراء علماء وحكماء بلده، ولا يليق أبدا أن يزرى بالأئمّة إلى الحدّ الذي يسمع العامّ والخاصّ في وسائل الإعلام أنّ خطباء المساجد سيحدّثونهم في موعد محدّد بكلام محدّد أملته عليهم جهة محدّدة.

كلّنا يعلم أنّ أيّ إمام مهما بلغت فصاحته، لو أعلن في آخر خطبته عن درس يزمع إلقاءه في مكان آخر غير المسجد، في وقت محدّد، ليكلّم النّاس في موضوع يخصّ الشّأن العامّ، وثنّى ذلك بتعليق الملصقات الداعية إلى حضور الدّرس، في كلّ الأماكن، وعلم المصلّون مع ذلك بمؤدّى حديثه، فإنّه ربّما يجد نفسه وحيدا في مكان الدّرس.. المصلّون الذين يحضرون الجُمَع لا يلبّون نداء الإمام ولا نداء أيّ جهة أخرى، وإنّما يلبّون نداء “الله أكبر” ليسمعوا ما يحبّه مولاهم الأكبر سبحانه.

 

… أذِنَ الله أن تُرفع وتُصان

إنّ هذه المجازفات الخطيرة التي تمعن فيها بعض الجهات المسؤولة في بلاد المسلمين، عندما تصرّ على توظيف الخطاب الدينيّ لصالح خيارات معيّنة، وفي مواسم معيّنة، لن تعود بالخير على الأمّة، وربّما تفتح أبواب الفتن في بيوت يفترض أن تصان عن الفتن، ويكفي نذيرا في هذا أن نسمع تلك الدّعوات التي أطلقتها بعض الجهات في وطننا الغالي، لمقاطعة صلاة الجمعة، بحجّة أنّ الأئمّة سيخاطبون المجتمع بما يُملى عليهم.. مثل هذه الدّعوات لم تلق آذانا مصغية في أوساط المجتمع، ولله الحمد، برغم محاولة بعضهم ربطها بأقوال بعض العلماء الذين يجوّزون مقاطعة خطبة الإمام متى ما لغا، وتحدّثَ بما لا ينبغي من الكلام، مثل قول الإمام ابن حبيب المالكي رحمه الله: “إذا لغا الإمام في خطبته، وتكلّم بما لا يعني النّاس، لم يكن على الناس الإنصاتُ عند ذلك، ولا التحوّل إليه، وقد فعل ذلك ابن المسيب” (التاج والإكليل)، ولا شكّ أنّ كلام الإمام ابن حبيب وكلام غيره من الفقهاء لا يعني أبدا أن يمكث المصلّون في بيوتهم ويتخلّفوا عن صلاة الجمعة، أو يخرجوا من المساجد ويتركوا الإمام وحده، وإنّما يعني أن ينشغلوا بذكر الله وبالتّسبيح عن سماع كلامه.. هذه الدّعوات لم تلقَ آذانا مصغية هذه المرّة، لكنّها ربّما تؤثّر في المجتمع، متى ما أصرّت الجهات المسؤولة على نهجها في التّعامل مع الخطاب المسجديّ.

 

“هيئة علماء وحكماء” لتأطير الخطاب الدّينيّ

لا أحد ينكر أنّ الأئمّة وخطباء المساجد، علاوة على اختلاف توجّهاتهم وتباين قناعاتهم في المسائل المنهجية والسياسية، ليسوا في مستوى واحد من العلم والوعي والحكمة؛ فلا يعقل والحال هذه أن يطالِب عاقل بأن تُفتح لهم الأبواب على مصاريعها ويُتركوا من دون حسيب أو رقيب، لكنّ الرّقابة التي ينبغي أن تفرض على الأئمّة ينبغي أن تكون رقابة علمية شرعية، تتشكّل من علماء البلد وحكمائه، وتتمتّع بكامل حريتها في صياغة وتوجيه الخطاب المسجديّ، بما يحفظ دين الأمّة ودنياها، وليس بما يُرضي هذا الطّرف أو ذاك، فتدبج التّوجيهات في قضايا الشّأن العامّ كلّها ومن دون استثناء، بما ينبغي ويحسن أن يقال، وليس بما يراد قوله، وبما يحفظ مصلحة الوطن، لا مصلحة الأفراد والجماعات، في ظلّ أحكام الشّرع ومبادئه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!