وزارة “التعاسة والغباء”؟!
في الوقت الذي تخطو فيه بلدان عربية أشواطا عملاقة نحو التطوّر الصناعي والخدماتي والرقي المعرفي، ما زلنا نحن نعيش على وقع كابوس الأزمة المالية و”بعبع” التقشّف وانهيار القدرة الشرائية، حتى طغى الرّعب والفزع على يوميات ساكنة هذا الوطن، الذين ما إن ينجوا من صدمة حتى يصطدموا بأخرى أشد فتكا وإيلاما من سابقتها.
التقارير الإعلامية التي أوردتها الصحافة العالمية بخصوص استحداث دولة الإمارات العربية المتحدة حقيبتين وزارتين: واحدة للذكاء الاصطناعي وأخرى للأمن الغذائي حملتها امرأة، يوضح بجلاء كم نحن بعيدون كل البعد عن الحكم الراشد ونفتقد لرؤية مستقبلية تنتشل هذا البلد من الركود الذي يعيشه على كافة الأصعدة!
دولة الإمارات التي احتفلت قبل نحو سنتين بتصدير آخر برميل نفط، لتحرِّر بذلك اقتصادها من التبعية المطلقة للمحروقات، أدارت البوصة نحو السياحة والخدمات المصرفية وسائر النشاطات التي تخلق الثروة، والأكثر من ذلك أنها التفتت إلى الإنسان وما أدراك ما الإنسان، لأنها أدركت أن العنصر البشري هو عماد التقدم والرقي، والاستثمار في قدراته هو بوابة الريادة؛ فجعلت للسعادة وزارة قائمة بذاتها، العام الفارط، حيث فاجأ حينها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، العالم العربي بهذه الوزارة “الغريبة”، التي جاءت لتتابع جميع الأنشطة والبرامج الحكومية التي تهدف إلى سعادة المجتمع. ولم يكتف الإماراتيون بهذا بل “اخترعوا” وزارة أخرى تعنى بالتسامح، الذي تفتقده كثير من المجتمعات العربية.
لذلك، فإن شبكة التنمية المستدامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة، كانت محقة لمّا صنفت الإمارات في صدارة الدول العربية من حيث سعادة شعبها، في التقرير العالمي للسعادة الخاص بالعام 2017، لكنها جانبت الصواب لمّا صنفت الجزائريين “بهتانا وزورا” بأنهم من سكان قارة إفريقيا الأكثر سعادة؛ فينبغي لشبكة التنمية الأممية أن تراجع هذا التصنيف وتصارح هؤلاء “السّعداء” بالمقاييس التي اعتمدتها لإطلاق هذا الوصف “الغريب”، الذي يتساءل سكان هذا البلد عن محلّه من الإعراب في يومياتهم المضرجة بالهموم والمشاكل التي حولتهم إلى كائنات يائسة ومتشائمة، متوجسّة من كل شيء، تبحث عن بصيص أمل ينتشلها من الإحباط.
وأمام هذا الوضع البائس للجزائريين، لا بدّ من استحداث وزارة للتعاسة وأخرى للغباء والجهل، وزارة للحزن والألم والتشرّد وحقيبة سيادية تعنى بالبؤس والشقاء والجنون. ولم لا تكون وزارة منتدبة مختصة في التنويم المغناطيسي وغسيل المخ؟ ! وذلك من أجل مكافحة الأوبئة والأمراض والعقد النفسية والاختلالات العقلية التي يعيشها ساكنة هذا الوطن، الذي يعيش عهدا من الانحطاط والانحدار، يستدعي تكاتف الجهود للخروج بتصوّرات وحلول للأزمة التي استوطنت عقول الجزائريين وفتكت بصحتهم النفسية والبدنية!
الأمل الذي يتمسك به الجزائريون كي ينقشع ضباب التوجس لديهم من الغد، يجب أن ترافقه خُطط مدروسة تستشرف المستقبل وترسم معالم استراتيجية محكمة لمواجهة كافة الهزات الارتدادية في مختلف المجالات. لذلك ينبغي إسناد هذه المهمة الثقيلة إلى أهلها، من خبراء ومختصين مخلصين للوطن، لا يخشون في قول كلمة الحق لومة لائم، يعدّدون نقاط الضعف وعناصر القوة في كل قطاع، ويفضحون المتسببين في الركود والانحدار دون أي خلفية أو هدف ذاتي أو مصلحة شخصية.