وللإسلام السياسي سياحاته..!
هل للكتابة الإيديولوجية من توابل غير الأُحادية، والإقصاء والوصاية؟ وهل لها من أنصار غير محدودية الفكر، وضيق الأفق وتسلّط المزاج؟هذا ما يحتاج إلى تفنيده مقال المدعو سلطان بركاني، المنشور بالشروق يوم 14 / 05 / 2014، المسطور في حالةٍ تشبه الغيبوبة، في مكان لا شك أنه غرفة إنعاش. فلم يفطن لاندفاعه- وهو يوالي على قارئه قائمةً من الأشخاص، والمؤسسات، والأمكنة، والأحداث والتواريخ كلُّ ما فيها مدعاة للمراجعة والتثبت، أعني للتصحيح والتخطئة في آن- لم يفطن لذلك لمشكلةٍ في مزاج هذا الصنف من الناس لا تُحَلُّ بلحيةٍ وقميص، ولا بسبِّ التصوف وعَضِّ أهله، بل باستبصار العالم، وتأني الحكيم، وصبر الباحث وسموّ الناصح الأمين!
ببراعة منقطعة النظير في تشقيق المصطلحات، أفادنا الكاتب بمجموعة من الإطلاقات بعضها واقعي وبعضها سريالي، مضت كلها في مسارب الريح بلا إياب، وبقي منها ما يدعو إلى تحرير هذه السطور !
بدل التعالم المشوّه – فاعلا ومفعولا به– كان الأقرب إلى الاعتدال أن يحمل الكاتبُ نفسَه على مقارنات تفضي إلى الأحكام الهادئة، لا إلى ولادةِ نتائجَ قبل مقدماتها.
قرأنا لكثير من سيِّئي الرأي في التصوف، منهم محمد علي أبو ريان في كتابه “الحركة الصوفية في الإسلام”، وسميح عاطف الزين في كتابه “الصوفية في نظر الإسلام”، وعمر فروخ في كتابه “التصوف في الإسلام”، فلم نجد واحدا منهم عزا ما يحظى به التصوفُ من احترام لدى عموم المسلمين إلى الرعاية الإسرائيلية وأساليبها في التوجيه والتوظيف، كما وجدنا ذلك عند كاتب المقال. صحيح أن في المؤلفين، من أهل الاستشراق خصوصا، مثل الإنجليزي نيكولسن، من ردَّ التصوف إلى أصول غير إسلامية (مسيحية متهودة أو هيلينية أفلوطينية)، وذلك شيء مختلف عما نحن فيه، وهو وإن كان لا يملك من الحقيقة نصيبا موفورا، إلا أنه ألطف ممّا يحوم المقال حوله.
لعلّ أكثر ما يذكّر به الكاتبُ هو مواقفُ الدياسبورا اليهودية في فرنسا خصوصا، لأن بنية المقال الإيديولوجية وحِدَّةَ أسلوبه تَتَلقَّطان بوضوح ما يقوله ويكتبه الفيلسوف الصهيوني برنار هنري ليفي منذ ما يقارب الثلاث سنوات، في سياق المشاغبة على الشعوب العربية واستحداث نظم في السياسة يستفيد منها الكيان الصهيوني خارج دياره ويأمن الثورة داخلها، بما يعني البحث عن حلفاء وهميين، وهو الخطاب الذي استأنفه– خارج الكتابة– الجوق اليهودي بصوت أنريكو ماسياس وفعاليات الدراما بتمثيل باتريك برييال وكاترين جاكوب وغير هؤلاء من سقط المتاع كثير.
هذه هي منابع الفكرة في المقال لا نجد أثرا لغيرها، طَيَّها أسلوبُ اليهود في تغيير المواقع كلما اقتضت الحساباتُ ذلك، ومن هذا الجنسِ الحربُ على التصوف لأنه يزاحم الإسلام السياسي في صدور الناس، ولو كان يحقق لهم غاية قريبة لأحسنوا في ولائه صنعا!
والعالَمُ مفتوحٌ على بعضه، بِتَوَاشُجَاتٍ سَرَتْ في أعصابه، يستغرب الكاتبُ ويندّد باهتمام الجامعة العبرية بالتصوف. تباعا لمنطقه، كان عليه أن يندّد بتدريس العبرية– واللغة حمَّالةُ فكر– في كثير من الجامعات العربية والإسلامية، ولكنه لم يفعل!
حملت الأستاذيةُ الخانقةُ صاحبَ المقال على إعطاء درس فيما سمّاه بـ “الإسلام السياحي” تجنيسا بين نظرتين إلى الإسلام لا تلتقيان إلا على مُحال، للإسلام السياسي فيها سيفُ الغلبةِ الضاربُ في هوادينا، وللسياحة الملصقة بالتصوف دور المعطِّل للجهادية والمثبِّط عن استعادة السلف وطرائقه!
لا يُنازَع الكاتب في خياراته الإيديولوجية، فهو سلفي منافح عن الإسلام السياسي غير منزعج من ركوب الدين إلى الدنيا، ولكن يُنازَع في تحجيم الحقيقة وصبِّها في قالب شخصاني يريد أن يَتأيّدَ بعصرنةٍ كل ما فيها ماضويٌّ، وبعلميةٍ كل عناوينها مُلفَّقة، وبمنهج في النقاش يقرّب المسافة بين الجَدل والدَّجل بما يعكس واقعا حضاريا بيننا وبين الشفاء منه بونٌ بعيد.
الأنالوجيا المرتبكة بين الإسلام السياحي والسياحة الدينية ليست مشكلة في حد ذاتها، على أني أستغربها من صنف من الناس لشدة “غيرتهم” على الإسلام يجرّمون من يلجأ إليها، وإمعانا في الأبوية لا يتردَّدُون في اللجوء إليها بلا وخزةٍ من ضمير.
إن أقبح ما في المقال هو الإجهاز على أهم مكونات الشخصية الإسلامية– التصوف– وربطه بثلاثة أمور هي من صميم نواقضه:
1- العقيدة القبورية؛
2- العمالة للأجنبي؛
3- التشويش على حاضر المسلمين بما يرهن مستقبلهم بين الأمم.
ثلاثتها قابلة للنقاش، ولكن الثاني هو أدعى إلى الاجتزاء في هذه العجالة، لأن البقية استُهلِكت ولم يعد للرد عليها أولوية.
لم ينتبه الكاتب، وهو يستقي معلوماته من مراكز البحث الإسرائيلية، أنه هو نفسه مشبوهٌ بالتواطؤ مع الموساد، وإلا فمن أين له بتسريباتٍ يَضِنُّ بها الكيان اليهودي حتى على أصدقائه؟ هذا إذا افترضنا صحة ادعائه، أما إذا وضعناه موضع النظر، فلم يعد أمر رعاية الأجهزة الإسرائيلية لما سماه الكاتبُ بــ “الإسلام الصوفي” سوى قفز على الحقيقة ارتبط بالمُحْبَطين من أنصار الإسلام السياسي، ووَجَّهَ عنايتهم إلى المتصوفة أكثر ممّا وجَّهَها إلى أعداء الجميع.
لا يبدو أنّ صاحب المقال يفهم قدرا– وإن دَقَّ– في فقه الحدود، وإلا كان فطن إلى حكم الوقوع في أعراض لا شيء ممّا هو شريعةٌ وَتَعَبُّدٌ يبيح نهشها.
طبعا يطلع الإسلام السياسي من خارطة المقال كالشعرة من العجين، كأن التصوف، وليس الإسلام السياسي، هو المنظِّرُ والمنفِّذُ للتكفير، والراعي للأجنحة العسكرية المستبيحة دماءَ المسلمين قبل غيرهم؛ وكأن التصوف، دون الإسلام السياسي، هو صاحب المواجهات غير المتكافئة مع الغرب– من جنس 11 سبتمبر– باسم الجهاد ومشتقاته، مع ما ترتب على ذلك من التضييق على أهل القبلة في كل مكان. وما ذلك بشيء ما لم تُلْحَقْ به لعنةُ الوقيعة في النُّخَب، والتحريض عليها، والهندسة لقتلها، وما نموذج الدكتور البوطي منا ببعيد!
إن الترويج لفكرة مهادنة الغرب للتصوف يضرب مصداقية صاحبها في الصميم، لأن الحقيقة بخلاف ذلك؛ وأكذب منها مسألة الوَصاة الإسرائيلية بأن يتخذ الغربُ من الإسلام الصوفي صديقا، لأنه يمثل الاعتدال ويوفر الأمان.
سبحان الله! ألا يدرك هؤلاء أن بني صهيون، لا فرق بين سياسيّيهم وأكاديميّيهم وتُجّارهم، كلّهم قُطَّاعُ طرق، سوّت بينهم المخازي، وضَمّت لعنةُ التاريخ بعضَهم إلى بعض؟!
ليس بعيدا أن يُجيب الكاتب بنفس الغرابة، إذا هو سئل: متى كان اليهود أصدقاء لأحد؟ ولذلك استبقنا بالجواب بما هَوَّنَ عليه التورطَ في أعراضِ مَن يُفترَضُ أنهم أهلُه، وضيَّق عليه دائرة الانتماء حتى لم يعد يرى فيها ويسمع غيرَ المحبَطين من أشباهه، وغيرَ حَمَلَةِ المشاريع القابلة للاختراق من أشدّ أجهزة المخابرات بغضا للإسلام والمسلمين، وغيرَ المتاجرين بقِيَمٍ لا يَصلحون لتمثيلها لأنها بما
تنطوي عليه ذاهبة في غير ما يركضون صوبه!
يا حسرة على العباد!