-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

.. وهل بعتَ شيئاً..؟!

مروان ناصح
  • 886
  • 0
.. وهل بعتَ شيئاً..؟!

-1-ليس من حسن الحظ لأحد من العاملين في الدراما أن يعرض له عمل بعد شهر رمضان مباشرة، والسبب: لن يتابعه الناس.. لا كمّاً ولا نوعاً..!! والسبب أيضاً: ما يكون قد أصاب الناس من “تخمة” درامية خلال هذا الشهر الذي يفرط فيه الناس في استهلاك كل شيء..!! ولا تبقى لهم “نفس” في شيء.. حتى في الفرجة على أي شيء..!! فقد رؤوا _ سلفاً _ عن شهور كثيرة قادمة، بمعيار القدرة الواقعية للفرد، على التلقي، والاستيعاب، والتمتع بما يرى ويسمع..

أما أهل الوسط الدرامي، ومعهم رجال الصحافة المهتمون بهذا الفن، فقد عودونا على أنهم يظلون متوجهين بأعينهم إلى الوراء لمدة طويلة.. يتحدثون عن سوق كانت حاشدة، المتفرجون فيها أكثر بكثير من التجار والمشترين.. فنظل نسمع عن نجاحات حقيقية أو “وهمية”، وأرقام مشاهدة واقعية أو “مفبركة”، وعن صراعات شريفة أو “كيدية”..!!

غير أنني عرفت قلة من كتاب الدراما الجادين، كانت صحوتهم من “دوشة” الموسم، تبدأ حتى قبل نهاية حلول عيد الفطر.. فيستلّ كل منهم قلمه، لخوض مباراة الموسم القادم ..!! ولا يخفي أحد منهم أنه “يكره” أن يسبقه أحد في إنجاز مشروعه الدرامي.. وكثيراً ما يشحذ همته على العمل بالتلصص من بعيد عما يفعله الكتاب الآخرون.. والمدى الذي قطعوه من الطريق الطويل.. فليس هناك ما يشحذ الهمة أكثر من “عداوة” المهنة أو “الكار”..!! لقد كان الكاتب النرويجي إبسن “يكره” الكاتب السويدي “سترندبرغ”.. فكان يضع صورته أمامه، في أثناء الكتابة، ويردد مع نفسه متشفياً:

 – فليمت من الغيظ، كلما رآني أسرع في الكتابة..!!

ولعله مما لا يخفى على أحد أن المكسب المادي الكبير، الذي يحصل عليه كتاب الدراما _ بالقياس إلى المردود الهزيل الذي يناله الأدباء، من شعراء وروائيين _ هو في مقدمة دوافع هذا السباق المحموم بينهم.. فالأدباء _ منذ أن أدركتهم “حُرْفَةُ” الأدب _ وهم يعانون من ضيق ذات اليد، وسوء الحظ، والكساد..!! ومن أطرف ما قرأت في تجسيد حال الأدباء أن أحد الأشخاص سأل الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين:

– ماذا تفعل في هذه الأيام.؟

– أؤلف قصصاً..

– وهل بعت شيئاً.؟

– بالتأكيد.. لقد بعت ساعتي..!! وقريباً سوف أبيع ثيابي..!!

-2-

كانت الجوائز التي تحظى بها بعض الأعمال السورية المشاركة في المهرجانات _ مثل مهرجان القاهرة، ومهرجان تونس للإذاعة والتلفزيون _ تظل محوراً للأحاديث، وموضوعاً يختلف حوله أهل المهنة، لمدة طويلة..!!

وإذا كانت الحكمة العربية الموروثة تقول: “إن إرضاء الناس غاية لا تدرك” فإن إرضاء الوسط الفني، في مسألة هذه الجوائز، كانت تبدو لنا ضرباً من السباحة في “نهر الجنون” الذي عرض لنا حكايته الكاتب توفيق الحكيم، في مسرحية بهذا الاسم، حيث يضطر العاقل الوحيد الذي لم يشرب من ذلك النهر _ في مدينة الحكاية _ إلى الانخراط في ذلك الجنون الجماعي الرهيب..!! وهل ننسى مثلنا الشعبي العريق: “إذا جنّ أصحابك فإن عقلك لن ينفعك”..!!

ومن واقع الملاحظة المدققة للمواقف المتباينة، تجاه الأعمال الفائزة، كانت الأحكام الموضوعية تبدو هي الغائب الأكبر..!! فمن قنع من الفنانين بفوز أحد الأعمال، أو الفنانين أو الكتاب، فقد فعل ذلك لأن له يداً في ذلك العمل، أو صداقة مع ذلك الفنان، أو مصلحة قادمة مع ذلك الكاتب، أو المنتج..!! ومن استنكر الفوز، واستكثره على بعض الفائزين، فإنما اتخذ هذا الموقف الرافض انسجاماً مع مشاعره الذاتية، وطبيعة العلاقة الشخصية “المأزومة” _ غالباً _ مع هذا الفائز أو ذاك..!!

وما أقل أصحاب الآراء البريئة في هذا الوسط..!! حتى بين الكبار، وفي مختلف البيئات _ المتخلفة كماهي حالنا في البلاد العربية، أم المتقدمة  التي سبقتنا في ميدان التحضر _ ومما يروى من الأمثلة عن  سلوك الكبار، في العالم المتحضر، من هذا القبيل، أن الكاتب الساخر الأشهر جورج برناردشو التقى _ ذات يوم _ الممثل الكوميدي العظيم شارلي شابلن، لأول مرة، في هوليود، فبادره بقوله:

– إني شديد الإعجاب بك.. ولكنني لم أشهد قطُ أياً من أفلامك..!!

فما كان من شابلن إلا أن رد عليه سريعاً:

– وإني لكذلك شديد الإعجاب بكتاباتك.. ولكني لم أقرأ شيئا منها..!!

هناك بعض النقاد لا يعدون غياب الموضوعية بين الفنانين نقيصة، أو انحداراً، في سلم الجماليات التي يسعى الفنانون أنفسهم إلى تأكيدها في حياة الناس..!! وإلا فلن يكون هناك معنى للحكمة الشعبية: “باب النجار مخلوع”..!! كما أن هناك _ أيضاً _ بعض المراقبين للحياة الفنية يرون أن غياب الموضوعية عند الفنانين هو الأوضح والأكثر “واقعية”..!! مع أن كثيرين سواهم _ من الأوساط الاجتماعية الأخرى _ يفوقونهم في الأحكام الذاتية والعاطفية..!!

وما أجمل تلخيص الكاتب الروسي الخالد “دوستويفسكي” لأزمة الفنان مع عواطفه ومصالحه، حين كتب في يومياته: “لقد أحببت وتعذبت..!! وكرهت وتعذبت..!! ووقفت على الحياد وتعذبت..!! ولكنني عشت..!!”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!