يأكلون فوق التراب ويفطرون بالبيتزا والخبز وأحيانا يتصدقون عليهم بالشربة
كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا الربع ذات يوم من رمضان 2014، ولم يكن يفصلنا عن آذان المغرب بمدينة قسنطينة إلا بضع دقائق، عندما نزلت “الشروق اليومي” ضيفة في العراء من دون دعوة على عائلة سورية من 7 أفراد مشرّدة تعلم من أين جاءت ولا تدري إلى أين تذهب، كان أفرادها يقعدون القرفصاء على حافة غابة بالقرب من محطة البنزين المتواجدة على مستوى محطة المسافرين الشرقية بعاصمة الشرق.
هي عائلة السيد عطاء الله البالغ من العمر 36 سنة وزوجته السيدة روشان صاحبة الـ28 عاماً، وطفليها علي الرضيع، وفارس ذو السنتين، وزوجة شقيق السيد عطاء الله السيدة هنية صاحبة الـ26 ربيعا وابنتاها غرام ذات الـ12 ربيعا وذكرى صاحبة السبعة أشهر، هذه العائلة التي قدّمت منذ حوالي شهر تقريبا من دمشق بسوريا، بعد أن دمرت الحرب بيتها وآمالها، لتحط رحالها في الجزائر العاصمة قبل أن تنتقل إلى مدينة قسنطينة، لتبدأ عائلة السيد عطاء الله حياة التشرد، بعدما فرّت كغيرها من العائلات السورية من جحيم الحرب الجنونية.
لكن هذه العائلات لم تكن تعلم أنها ستفر من جحيم الحرب إلى جحيم المعاناة والتشرد التي تنتظرها، حيث لا سقف يأويهم ولا فراش ولا مرافق استقبال، عدا بعض الفنادق المتواضعة للقادرين منهم فقط، فلم يجدوا من مأوى لهم سوى الحدائق والساحات العمومية والشوارع. واختارت عائلة السيد عطاء الله العيش بصفة مؤقتة في مدينة قسنطينة، لما لاقته من حفاوة كبيرة من أهل المدينة، حسب ما صرحت به للشروق اليومي، التي قررت أن تشارك هذه العائلة وجبة الإفطار، حيث تصلهم الشربة والمسفوف والبوراك وغيرها من الأطباق، باستمرار ومن كل مكان.
البطون تمتلئ والعقول شاردة
كانت بداية زيارتنا قبل آذان المغرب لعائلة عطاء الله السورية أشبه بالصدمة بالنسبة لنا، حيث كانت العائلة تجلس خلف سيارة على الأرض في انتظار الآذان، ولم يكن أمامها سوى قطع بيتزا اشترتها من الطاولات الفوضوية، وخبز وقارورة ماء، قبل أن يتصدق عليها بعض المحسنين الذين يقطنون بعمارة مقابلة للغابة، بصحنين من الشربة وصحن من السلطة، وما إن حان موعد الآذان حتى باشروا الإفطار والسعادة تملأ قلوب الأطفال ولكنها بالنسبة للكبار كانت ممزوجة بالآهات، ببراءة طفولية قالت غرام: أخيرا سنفطر بالشربة التي لم نتذوقها منذ حلول شهر رمضان سوى مرتين.
العائلة تناولت وجبة الفطور على الأرض وفوق التراب، فهم محرومون حتى من تناول فطورهم فوق مائدة، وعندما سألناهم عن أكلاتهم المفضلة، سرعان ما ردت الطفلة غرام ذات الـ 12 ربيعا وهي ابنة شقيق السيد عطاء الله بأنها اشتهت أكل البوراك.
عطاء الله طُرد من عمله
على غير عادة عائلة السيد عطاء الله التي تستمر فترة إفطارها لما يقارب الربع ساعة كأقصى حد، استمر إفطارهم هذه المرّة لما يقارب الساعة، رغم أن وجبة الفطور كانت تقتصر على صحنين صغيرين من الشربة وصحن سلطة وقطع بيتزا وخبز، لكن الأمر طال عندما بدأ السيد عطاء الله يروي لنا قصته منذ نزوله ضيفا أو لاجئا في عاصمة الشرق الجزائري قسنطينة، حيث قضى الثلاثة أيام الأولى في فندق يتواجد بمحطة المسافرين الشرقية، وكان يدفع مبلغ ألف وستة مئة دينار لليلة الواحدة، ويضطر للمبيت هو وزوجته وطفليه وزوجة شقيقه وابنتيها في غرفة واحدة، وبعد ذلك بحث عطاء الله عن عمل له، فحصل على ذلك بأحد المقاهي ببلدية الخروب، وسمح له صاحب المقهى بالمبيت فيه، وكما قال لنا السيد عطاء الله، أنه وبنيّة حسنة أحضر عائلته للمبيت معه داخل المقهى، وفي رابع يوم له من العمل، زاره صاحب المقهى وطرده مباشرة بعدما اكتشف أن عائلته تبيت معه داخل المقهى، ليبدأ بعد ذلك حياة البؤس والتشرد رفقة عائلته، حيث يقضون لياليهم في العراء فتارة يفترشون الكارتون وينامون في محطة المسافرين الشرقية، وتارة أخرى ينامون فوق التراب في حديقة بشير بن ناصر أو في الحديقة المحاذية لجسر سيدي أمسيد، وأكد لنا أنه مستعدّ للعمل في أي مهنة شريفة، حتى لو كانت رفع الأحمال أو كنس الزبالة، المهم أن يحصّل نقوداً يعيل بها عائلته وعائلة شقيقه الذي مازال في سوريا ولم يستطع التنقل هو وبقية أولاده الخمسة، لأنهم لا يملكون ثمن التذاكر من دمشق إلى الجزائر العاصمة، لأن العودة إلى سوريا الآن هو انتحار حسب السيد عطاء الله وأبنائه. وهنا تدخلت السيدة هنية زوجة المدعو ضيف الله شقيق عطاء الله لتدعو المحسنين إلى مساعدتها بمبلغ 50 ألف دينار وهو ثمن تذاكر زوجها وأولادها الخمسة حتى يلتحقوا بهم في الجزائر.
أفارقة يهاجمونهم
قبل أن يكمل السيد عطاء الله حديثه عن حياة الفقر والبؤس، التي صار يعيشها رفقة عائلته منذ وصولهم إلى قسنطينة وتفاؤله وأيضا بطيبة أهل الجزائر وحبّهم للسوريين، أشار خلال حديثه إلى اللاجئين الأفارقة من ماليين بالخصوص، الذين احتلوا بدورهم شوارع وأحياء وأرصفة قسنطينة، وامتهنوا التسوّل في كل نقطة من نقاط مدينة الصخر العتيق، ودخل بعضهم عالم السرقة والاحتيال، حيث قال لنا السيد عطاء الله إنهم صاروا يخافون من النوم في الشوارع ليس من تعرض القسنطينيين لهم، وإنما خوفا من الأفارقة، الذين قال لنا بأن عائلة منهم هاجمتهم قبل أيام قليلة، بمجرد أن وجدتهم نائمين في المكان الذي اعتادت النوم فيه قرب مطعم بمحطة المسافرين الشرقية، وحاولت الاعتداء عليهم، ولحسن حظهم تدخل بعض المواطنين وقاموا بحمايتهم من الهجوم الإفريقي الكاسح.
الكثير من السوريين غادروا مدينة قسنطينة بسبب الأفارقة الذين زاحموهم حتى في التسول والمتواجدين بالمئات في كل مكان ويرفضون أن يقاسمهم السوريون لقمة العيش التي تصلهم من المحسنين خاصة في رمضان. والذي يزور قسنطينة سيلاحظ بأن عدد الأفارقة كبير جدا مقارنة باللاجئين السوريين، وهذا ما يخلق شجارات دائمة بينهم وبين الأفارقة، الأمر الذي جعل اللاجئين السوريين يهجرون المدينة إلى ولايات أخرى بحثا عن لقمة العيش.
أجواء بائسة
كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا، عندما قرّرنا مغادرة المكان، تاركين هذه العائلة السورية المشردة وسط أجواء بؤس وتعاسة لا يحتملان، بعدما عجزوا عن إيجاد حل لأنفسهم سوى التشرد، وتعد هذه العائلة واحدة من عشرات العائلات السورية المشردة والمتواجدة في مناطق متفرقة بقسنطينة والمئات على المستوى الوطني، حيث أن ظاهرة تشرد اللاجئين من السوريين والأفارقة انتشرت بكثرة خلال الآونة الأخيرة بعاصمة الشرق الجزائري وفي غيرها من الولايات، وكثُر عنها حديث العام والخاص، خاصة بعد ما صرنا نشاهده يوميا من صور مريبة لنساء ورجال وأطفال بعضهم من المرضى، بالشوارع ينامون في الطريق طيلة النهار، مبعثرين أشياءهم وأحزمتهم، صانعين ديكورا مقلقا إلى جانب إزعاج المارة. ومع الغروب يحملون أمتعتهم ويتوجهون إلى مختلف الأماكن تحت العمارات والجسور والى مختلف الأقبية وأمام المطاعم من أجل النوم.