-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يوم الزحف العظيم!

حسين لقرع
  • 904
  • 0
يوم الزحف العظيم!

المشاهد التاريخية لمئات الآلاف من الفلسطينيين وهم يعودون إلى شمال غزة يوم الاثنين 27 جانفي، تعدّ أبلغ ردّ على تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كشف فيه عن خطّته لتهجير سكان غزة إلى مصر والأردن وألبانيا وأندونيسيا، وهو ردّ عملي يتجاوز عشرات ردود الأفعال الكلامية الغاضبة التي صدرت إلى حدّ الساعة.
في يوم “الاثنين العظيم” رأينا مئات آلاف الفلسطينيين يزحفون في مواكب مهيبة على شمال غزة، راجلين، قاطعين عدة كيلومترات من دون أن يبالوا بالتعب والإرهاق.. رأينا طفلة في حدود التاسعة من العمر، حافية القدمين، تحمل أختها الصغيرة على عنقها، وقالت إنها متعبة ولكنّها تتشوّق للعودة إلى الشّمال، وتابعنا شابين بطلين وهما يتسلّقان برجا عاليا نصّبه الاحتلال في محور “نتساريم” لمراقبة المقاومة، ويعلّقان علم فلسطين في أعلى البرج، إيذانا بالانتصار على الاحتلال ودحر جيشه عن محور “نتساريم” وعودته مجدّدا إلى سيادة الفلسطينيين، لكنّ الصورة الأكثر بلاغة وتأثيرا كانت لذلك المواطن الذي كان يحمل طفليه وقال إنّه خرج من شمال غزة بطفل واحد وعاد الآن باثنين، وهو كلام ذو دلالة عميقة؛ فالكثير من الأطفال ولدوا خلال الحرب، وهناك نحو 60 ألف فلسطينية حامل هذه الأيام، ما يعني انتظار ولادة 60 ألف طفل من دون احتساب التوائم، وهو رقم يفوق عدد الشهداء والمفقودين بقليل.
في هذه المشاهد التاريخية النّادرة، لفت الفلسطينيون الانتباه وهم يسيرون زرافات ويردّدون أناشيد وطنية وتكبيرات العيد؛ فهو يوم سعيد لهم بعد معاناة طويلة ولا يختلف عن عيدي الفطر والأضحى، ومن حقّهم أن يحتفلوا فيه بنصرهم التاريخي على الاحتلال وإجهاض “خطة الجنرالات” الإجرامية التي مارس فيها الاحتلال إبادة وحشية بحقّهم منذ 5 أكتوبر الماضي إلى غاية وقف إطلاق النار في 16 جانفي الجاري، وقد نسف بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا من الوجود لتجسيد هذه الخطة الجهنّمية على الأرض وتهجيرهم وإعادة استيطان شمال غزة.. اليوم عاد سكان هذه المنطقة منتصرين ورموا “خطّة الجنرالات” في مزبلة التاريخ، والأهمّ منها أنّهم ردّوا عمليا على “خطة ترامب” وأجهضوها سريعا، بعد 48 ساعة فقط من تصريحه المشؤوم.
هذه الصّور الرائعة تؤكّد مدى تشبّث الفلسطينيين بأرضهم برغم كل المجازر وأعمال الإبادة والتطهير والتجويع المنهجي، وكذا التدمير الواسع لبيوتهم ومنشآتهم لجعل الشمال غير صالح للحياة، فغدا سينصبون خيما على أنقاض بيوتهم ويواصلون حياتهم مهما كانت قسوتها، ولن يتركوها للمستوطنين شذّاذ الآفاق.
ومع ذلك وجب الحذر؛ فتصريح ترامب هو ضوء أخضر للاحتلال، إما لمواصلة الحرب والقيام بمحاولة ثانية لتهجير سكان غزة إلى سيناء بعد أن عجز عن ذلك في المرة الأولى طيلة 15 شهرا من الحرب، أو تشديد الحصار على القطاع مجدّدا ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليه وعرقلة إعادة إعماره بذريعة عودة “حماس” إلى الحكم، وهذا لتيئيس السّكان ودفعهم إلى ما يسمّيه بن غفير “الهجرة الطوعية” بحثا عن آفاق معيشية أفضل.
ترامب يريد أن يحقّق لغلاة الصهاينة بالسّياسة ما عجزوا عنه بالحرب طيلة سنة وثلاثة أشهر صبّوا خلالها نحو 90 ألف طن من القنابل والمتفجّرات على رؤوس سكان غزة (90 مليون كيلوغرام) لترحيلهم، ففشلوا.. كان على ترامب أن يعرض على هؤلاء الصهاينة المجرمين نقلهم إلى أمريكا ومن ثمّة وضع حدّ لهذا الصراع الدموي الذي استمرّ 76 سنة وتسبّب في معاناة إنسانية لا تطاق في المنطقة.. الولايات المتحدة دولة واسعة المساحة ويمكنها استقبال نحو 9.7 مليون صهيوني في ولاية واحدة، فلماذا تقترح تهجير الفلسطينيين من أراضي أجدادهم وإحلال هؤلاء الصهاينة المستعمرين محلّهم؟
حتى بعض الأمريكيين والصهاينة رفضوا فكرة ترامب، وكانت مواقفهم أكثر شجاعة من العرب المتخاذلين؛ إذ قال السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، وهو من أصل يهودي، إن “تهجير سكان غزة تطهير عرقي وجريمة حرب وفكرة شنيعة يجب أن يدينها كلّ أمريكي”، ووصفها السيناتور ليندسي غراهام بأنها “غير عملية”، في حين سخرت “هآرتس” من ترامب وقالت إنّه إذا واصل التفوّه بأفكاره الخيالية، فسيقترح يوما نقل سكان غزة إلى المرّيخ!
في جميع الأحوال، فقد ردّ الفلسطينيون على ترامب بطريقتهم وصنعوا صورة نصر تاريخية أخرى، بعد صور النصر التي صنعها صناديد “القسّام” مرّتين خلال تسليم سبع أسيرات صهيونيات، والشرطة الفلسطينية وهي تنتشر في أنحاء غزة وتعيد السيطرة عليها. مبارك لمئات الآلاف من الفلسطينيين عودتهم إلى شمال القطاع سالمين غانمين مرفوعي الرؤوس بعد 15 شهرا من المجازر والجوع والتّشريد والبرد والمعاناة، والعاقبة لـ”الطوفان الأكبر والزحف الأعظم” على القدس وبقيّة الأراضي الفلسطينية المحتلّة لطرد الاحتلال منها وتحريرها من النهر إلى البحر، بإذن الله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!