آه يا الخدّاعين!
فجأة نزل بقارعة الطريق عشرات العمال، تابعون للبلدية والدائر والولاية، ومعهم “نات كوم” “واكسترا نات”، وشرعت هذه السيول البشرية في التنظيم ورفع القمامة وتزويق الأمكنة، وقد استبشر مواطنو هذه الجهة “المحظوظة” خيرا، وتمنوا لو تمّ تعميم هذه الحملة في سائر الأيام!
لكن، أحد الفضوليين تساءل بكل براءة: ما بهم؟ ما الذي أصابهم؟ لماذا استيقظوا اليوم باكرا؟ من أمرهم بهذه المهمة العاجلة؟..ردّ عليه آخر: في الأمر إن وأخواتها، فالظاهر والله أعلم، أن صحوة ضمير حتى وإن كانت متأخرة، أيقظت العزيمة في نفوس هؤلاء”الخدّامة” ومن أرسلهم إلى هذه البقعة لتصحيح الوضع وإصلاح ما أفسده سوء التسيير!
لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فالقضية وما فيها، أن وزير في الحكومة، أبلغ المسؤولين المعنيين، بإجرائه لزيارة عمل وتفقد لقطاعه بهذه المنطقة في العاصمة، فنقل إليهم الرعب، وأجبرهم على إنجاز خلال بضعة ساعات في ما لم يُنجز خلال أشهر وربما سنوات!
هذه يا جماعة الخير، مصيبة المصائب: غشّ وخداع وتدليس وتزوير للواقع و”هفّ” وتغطية للشمس بالغربال، وبيركولاج وماكياج، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم من الغشّاشين والخدّاعين!
ألم يكن بإمكان من أوفد هؤلاء العمال المساكين، أن يُوفدهم لتلك المهمة وغيرها، دون أن يتعلق الأمر بزيارة رئيس أو وزير؟ وألم يكن بوسع هذا الوزير أن يقوم بزيارة تفتيشية رسمية بطريقة سرية، حتى يفضح المستور، ويرى الحقيقة كما هي، فيسهل عليه الحساب ويكون العقاب مبرّرا؟
يستحيل أن نتقدّم خطوة إلى الأمام إذا استمرّ هكذا الوضع على ما هو عليه، وبنطق الستر والتستـّر و”التبلعيط”، مثلما لن تفيدنا أبدا عقلية التدشينات والزيارات الفلكلورية، التي تبدأ بالتمر والحليب، وتنتهي بمشاريع وهمية وبرامج افتراضية لا وجود لها سوى حجر الأساس!
المشكل، لا يخصّ الوزير فقط، الذي سبّق زيارته بإرسال “البرّاح”، وإنـّما هي أيضا مشكلة الوالي ورئيس الدائرة والنائب والمير والمجتمع المدني والمواطن البسيط، الذي يتواطأ في تعليب مثل هذه الأفعال المشينة، التي لن تزيد إلاّ تعفينا للوضع وتنقلنا جميعا من السيّئ إلى الأسوأ!
لقد تعبت البلاد ومعها العباد من سرطان التزييف والتغليف و”التعليف”، وتعبنا جميعا من منطق “أفونسي ألاريار” أو التقدم نحو الخلف، أو الصعود نحو الأسفل، والمسؤولية مشتركة، بما تسبّب في تأجيل كل شيئ وتسويد كلّ أبيض، ونشر اليأس وصناعة الإحباط..”مأساة وطنية” تعمّقت بتورط الجميع في تفريخ هذا”الهفّ” الذي يضربنا بـ”الكفّ”!