”عسكرة” المجتمعات العربية.. مصر أنموذجاَ
حين يحصل التصادم بين أصحاب الأداة وأهل الإيديولوجيا، أو العقيدة، ينهار المجتمع، تلك صفة عامة منذ أن اكتشف الإنسان وسائل قتل نفسه وإخوته، وقد كانت تجارب الدّول، بعد أن استولت على الجغرافيا وقسمت الأراضي لفرض نوع من السلطة بشرعيات مختلفة كشرعية القبيلة مثلا أو الشعب أو الأمة أو الامبراطورية، عبارة عن صراع بين الأداة والفكرة، رغم ضحالتها، هذه الأخيرة وبشاعتها وقزميّتها في كثير من الأحيان، كما أنها استمدت قوتها في مراحل معينة من التاريخ من فهم أهل الأديان إلى علاقة الأرض بالسماء أو إلى علاقة الدنيوي بالأخروي، ولنكن أكثر وُضوحاً، علاقة المدنّس بالمقدّس، وغالبا ما ينتهي بنا دعاة التقديس إلى تطويع المدنّس حتى يبدو مُقدساً، فإذا ما فشلوا أرجعوا ذلك إلى الضعف البشري.
هذا النوع من التأصيل للفكرة، إن جاز لنا ذلك، يبدو هاماً طرحه الآن، كون المؤسسات العسكرية في الوطن العربي أو الجيوش تعود محمّلة بعبء ووزرالمدنيين، الذين يريدون من الجيش أن يحارب من أجلهم ثم يسلّمهم السلطة فقط لأنهم دعاة حرية، وفي حالات بعينها، كما هي الحال في اليمن ثم في سوريا، تطرح المعارضة اليوم مسألة الاستعمار الجديد، وتقصد به الجيش في البلدين، وفي مصر هناك تسفيه من نوع آخر لكل ما يمت بصلة إلى الجيش.
تعدّد زوايا الرؤية
تختلف النخب لجهة تأييد أو رفض الدور السياسي للمؤسسة العسكرية في هذه الدولة العربية أو تلك، طبقاً لمنافعها ومصالحها وتطلعاتها أيضا، ولكنها وهي تقوم بذلك، بوعي أو بدونه، تؤكد أحقيّة أن يكون لفريق مصالح مشروعة أمام فريق آخر يسعى لمصالحه المشروعة أيضا، وإن اختلفت الطرق وتعدّدت السّبل وتنوّعت المقاصد والأهداف.
أما الغالبية العامة من الشعوب فهي في حيرة من أمرها، فمن جهة تُطالب الجيوش بحمايتها في الداخل والخارج، أي أن تُحارب بدلاً عنها، ومن جهة أخرى، وبسبب التأثير السياسي، تشكّك في كل أفعالها وأقوالها، وتعدّد زوايا الرؤية هو الذي جلب لنا كل المشكلات في علاقة المؤسسات العسكرية بالشعوب، حتى أن المحاولات التي تبذل في مصر اليوم لحماية الدولة من انزلاقات كبرى، يتمّ رفضها بناء على جذور خلافية بين الأحزاب والجيش، أيهما يتحكم في مصير الدولة؟، وبالتالي أيهما يكون صاحب الأمر والنهي فيها؟.
اختراق للقانون، بث للفوضى، دفع إلى الفتنة والاقتال، تكريس غياب الأمان، إيجاد توتر في شبكة العلاقات الاجتماعية، لعن كل أمة لأختها، تسفيه الأحلام الكبرى.. كل هذه وغيرها شعارات يتم تطبيقها اليوم من منطلق الكراهية والحقد وليس هناك جنوح للسلم أبدا.. إنها مرحلة القيل والقال وكثرة السؤال والادعاء بالفهم وعدم قبول كلمة سواء بين المتخاصمين أو المختلفين أو المتنافرين، وإذا كانت الأوطان لا تسع أبناءها الآن ولا الأفئدة والقلوب تحتمل ما تبقّى من الإيمان بما في ذلك المشترك، وأن الأرض ضاقت في كل دولة عربية بما رحبت، وأصبحت حيزا ضيقا لرؤية جماعة أو حزب فإن الباقي، الضابط والرابط، الجامع للناس وإن اختلفوا، هو الجيش، فهو ليس حزبا مستقلا ولا جماعة منطوية على نفسها، وإنما هو جامع للكل، وعلى ما فيه من نقائص وماله من أخطاء يظل المؤسسة الوحيدة البعيدة عن التحيز لجهة القبول بسيادة منطق جماعة أو حزب أو فريق.
ما بين الرشد والغي
في المشهد العربي العام، تبدو الحالة المصرية اليوم أكثر وضوحاً مقارنة بغيرها، فهي تستند إلى القانون لاتخاذ مواقف جريئة وحاسمة، وهي بلا شك على حق في كثير مما تقوم به رغم الادعاءات الباطلة وإن جاءت من الأغلبية، فليس المزاج العام ولا الحسابات السياسية، ولا محاولة استعادة حقوق مهضومة تراكمت لعقود، هي الحل في مواجهة مؤسسة وقفت إلى جانب الشعب المصري أيام الشدة.
ما كان في مقدور المصريين، وإن ادعوا ذلك، أن يلغوا من مصر نظام التوريث الذي كانت البلاد تتجه نحوه، ولا أن يبعدوا جماعات الفساد حتى ولو اجتمعوا بالملايين وكان الجيش ضدهم، أو حتى يقفوا بعيدا عما يسعون إليه، لذلك فالنكران اليوم والاعتقاد بعدم الرشد هو نوع من الغي والضلال السياسي، ولا يمكن لمصر أو لغيرها من الدول العربية بعد الأحداث الراهنة أن تختصر في جماعة تسعى لمصالحها عبر تأجيج المجتمع وتثوير أفكار تعرف مسبقاً نتائجها، وقد عاشتها لعقود سبعة على الأقل.
هل معنى ذلك أنه من الضروري عسكرة المجتمع المصري مثلا، وبالتالي باقي المجتمعات العربية؟، بكل صراحة نعم .. فإذا كان التّمدين أو أدلجة الدولة في أيّ قطر عربي ستنتهي بنا إلى صراع لا نعرف نتائجه المستقبلية، أو أن نتحول إلى لعبة بين القوى الكبرى وتصبح دولنا رهينة المصالح الدولية كما هي الحال في سوريا، فالأفضل أن يكون للجيش دور هام في حياتنا السياسية، بل أن يكون له كلّ الدور حتى تضع الفتنة المجتمعية أوزارها، والسباق المحموم الآن من أجل السلطة واللهث من أجل الكرسي، لا يختلف فيه طاهر نقي عن ذاك الفاسد، وكيف لنا أن نميز بين الخيرين ونحن نرى أهل الخير، إن صدقوا، يسلكون نفس السّبل من أجل الوصول إلى أهدافهم، تماماً مثل ما يفعل الذين يعثون في الأرض فسادا.
ليس الصراع قائماً بين العسكر والمدنيين كما يروّج له الآن، ولكنه بين شرعية الدولة الوطنية بميراثها التاريخي وطابعها الاستقلالي، وبين قوى مجتمعية تعتقد في أن إسقاط شرعيّة الدولة السبيل الوحيد إلى الديمقراطية مع أنها تقوم بأفعال منافية للديمقراطية وحتى الدين.
وحين تجعل قوى التغيير من حركة الشعوب والانتفاضات ونتائج الانتخابات وثنّية جديدة، فإننا نحاربها بكل الوسائل حتى لا نصل إلى طوفان مجتمعي عام ينتهي بنا إلى الغرق في بحور الدماء، والتجارب العربية منذ عقدين وإلى الآن تبيّن رفض هذا النمط من التفكير، لذا علينا مدّ جسور مع الجيوش لا الدخول معها في حرب، لأن مُهمّتها، في الأساس، هي حماية شرعية الدولة، حتى لو تناقض ذلك مع آرائنا وطموحاتنا وقناعاتنا وآمالنا.