الجزائر في قلب سجال فرنسي فرنسي
لم يكن المقال المتحيز والمستفز الذي وقعه السفير الفرنسي السابق بالجزائر، كزافييه دريانكور، عبر أعمدة صحيفة “لوفيغارو” اليمينية، سوى رد غير مباشر على مقال آخر سبقه بيوم واحد، صدر في أعمدة صحيفة فرنسية أخرى هي “لاتر يبون”.
المقالان يمكن قراءتهما من عنوانيهما، فالمقال الذي جاء في صحيفة “لا تريبون”، يحيل القارئ مباشرة إلى حصول تحوّل جذري في العلاقات الجزائرية الفرنسية، وهو يتحدث عن فضل للجزائر على الرئيس الفرنسي بالقول “وإذا أنقذت الجزائر إيمانويل ماكرون”.
أما المقال الذي وقعه السفير الفرنسي الأسبق في “لوفيغارو”، فهو متحامل وقيمي لكنه غير مبني على أسس سليمة “الجزائر تنهار.. هل ستجر فرنسا معها؟”. ومن خلال العنوانين يتضح أن المقالين يسيران في اتجاهين متعاكسين.
الفرق بين ما جاء في الصحيفتين، هو أن مقال “لا تريبون” أعده صحفي هو مارك إدفيلد، في حين أن مقال “لوفيغارو” لم يوقعه صحافي بل دبلوماسي متقاعد، في صورة مساهمة، حتى لا تتحمل الصحيفة مسؤوليته.
وبالعودة إلى تفاصيل المقالين، يمكن القول إن ما كتبه الدبلوماسي الفرنسي في الصحيفة اليمينية، إنما جاء ردا على المقال الذي جاء في صحيفة “لا تريبون”، والذي تحدث عن تقارب جزائري فرنسي أملته المصلحة المشتركة للبلدين.
كما يستهدف مقال “لوفيغارو” محاولة ضرب مصداقية الصدى الذي حققه حوار الرئيس عبد المجيد تبون، للصحيفة ذاتها في 30 ديسمبر الماضي، والذي تحدث من خلاله بلغة هادئة عن أهمية الصداقة بين البلدين والعمل من أجل استفادة الطرفين من بعضهما البعض، كل حسب إمكانياته.
ولا شك أن تأكيد الرئيس تبون في حواره لـ”لوفيغارو” الذي خلف تفاعلا لدى نظيره الفرنسي المتشوق لإعادة ترتيب بيت العلاقات الثنائية، الذي قال فيه: “يجب على فرنسا أن تحرر نفسها من عقدة المستعمِر وأن تحرر الجزائر نفسها من عقدة المستعمَر”، قد فتح المجال أمام مخاوف اليمين الفرنسي وقض مضاجع الدوائر الحالمة بأطروحة “الجزائر فرنسية”.
ولذلك جاء مقال كزافييه دريانكور ليحاول تقمص دور المدافع عن طروحات اليمين المتطرف، محاولا وضع العصا في عجلة التقارب الجزائري الفرنسي، وذلك انطلاقا من كلام الرئيس تبون الذي تحدث عن التعاون في المتفق عليه وترك المختلف بشأنه.
ويبدو أن أوساطا مستنفدة داخل الدولة العميقة في فرنسا قد استشعرت وجود رغبة حقيقية من مسؤولي البلدين في تجاوز مطبات الماضي المكبل بمخلفات وجرائم الاحتلال البغيض، والذهاب إلى بناء مستقبل متحرر من أعباء الذاكرة التي كثيرا ما تسببت في تضييع فرص للبلدين.
غير أن أي معالجة خاطئة أو سطحية لملف الذاكرة من شأنها أن ترسم واقعا هشا سرعان ما يتهاوى عند أول صدمة، وهو الأمر الذي يحاول اليمين المتطرف التركيز عليه، عبر الضغط على الرئيس الفرنسي من أجل تبني موقف يرفض مواجهة الحقيقة بكل تجلياتها، ويتحاشى تقديم أي تنازل في قضية الماضي الاستعماري، يقينا منه بأن هذا الملف يعتبر مصيريا في الجزائر، ومن ثم وضع مساعي تطبيع العلاقات الثنائية أمام مخاطر الانهيار في أي لحظة.