-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نداءات إلى الحكمة ولمّ الشمل تتغلب على أبواق الفرقة والتحريض

جزائريون بصوت واحد.. لا للفتنة

نادية سليماني
  • 8422
  • 5
جزائريون بصوت واحد.. لا للفتنة

مختصون وخبراء: لا خلاص للجزائر إلا بالتضامن والوحدة

العلامة الكاملة لعائلة المغدور به ودعوات إلى منحهم “جائزة نوبل”

من أشرس موجة لوباء كورونا المتحور، إلى ندرة الماء والأوكسجين، وأخيرا اندلاع نيران أحرقت الأخضر واليابس في 20 ولاية.. وعندما التقط الشعب جرعة أمل، استمدها من مشاهد التضامن والتكافل بين الجزائريين.. ضربت يد الإجرام مجددا، حين نكلت، وبوحشية، بفنان في ربيع عمره، كان بصدد تقديم المساعدة لإخوانه في بلاد القبائل. وهو ما استغلته أبواق الفتنة، الساعية إلى تفكيك وحدة الشعب، غير أن نداءات الحكمة والتعقل تغلبت ليجمع الجزائريون على أهمية الوحدة والتضامن ونبذ الفرقة والخلاف.

أمضى الجزائريون داخل وخارج الوطن ليالي سوداء أخرى، إثر الجريمة البشعة وغير المسبوقة، التي هزت بلادنا. عندما أقدم “مجرمون” بمنطقة الأربعاء ناث إيراثن على ضرب وسحل وقتل ثم حرق، شاب من مدينة مليانة، اتهموه بإشعال نيران في المنطقة.

فالمتورطون، لم ينتظروا عرض الشّاب على الجهات القانونية للتحقيق معه، حيث دفعهم “جنونهم” إلى “القصاص” منه، بطريقتهم الخاصة، التي جاءت تفاصيلها مرعبة ومخيفة جدا. في سلوك غير مسبوق على المجتمع الجزائري المسلم، وفي منطقة معروفة بكرم قاطنيها وترحيبهم بالغريب، الذي جاءهم مساعدا لا مخربا. وحتى التسجيلات المنشورة له ساعات قبل مقتله، تنفي وبوضوح تورطه في جريمة إشعال النيران.

مناشير تحريضية.. ومواطنون يتصدون للفتنة

التفاصيل البشعة حول مقتل الشاب جمال بن سماعيل، سليل مدينة مليانة العريقة، لا يمكننا الغوص فيها، لأن العدالة تحقق في الموضوع. ولكن ما يحز في النفوس، استغلال الجريمة، لإثارة نعرات عنصرية، وفتنة كبيرة، بين أبناء الوطن الواحد، كانوا قبل يوم واحد متحدين ومتضامنين، في مشاهد أرعبت أعداء استقرار الوطن.

فخرجت أبواق الفتنة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستغلة حالة الغضب التي اعترت أصدقاء ومعارف القتيل، في محاولة لدفعهم نحو الانتقام لضحيتهم.. وهو ما انجر عنه الكثير من المناشير التحريضية، وسب وشتم بين الجزائريين، وتوعّد بالقصاص القريب.. بينما أخلى كثير من سكان منطقة القبائل، مسؤوليتهم من الجريمة، معتبرين أنها فعل معزول وغير مخطط له، والمتورطون فيه “خارجون عن القانون، ارتكبوا جريمتهم الفردية، وسيتم التعاون مع السلطات القضائية لمحاكمتهم “.

وعي الجزائريين يطفئ نار الفتنة

والمبشر وسط كل هذه الفتنة، أن كثيرا من المواطنين نبذوا ظاهرة نشر تعليقات عنصرية وهجومية، داعين إلى ضبط النفس، والمحافظة على وحدة الوطن واستقراره، في ظل ما يعانيه من مشاكل بسبب كورونا والحرائق والمشاكل الاقتصادية، معتبرين، أن الانسياق وراء دعوات الفتنة “سيدخل البلاد في متاهات لا نهاية لها، لأن الفتنة أشد من القتل، داعين إلى طي هذه الصفحة، وترك العدالة تأخذ مجراها الصحيح”.

وكتب معلق: “نيران الغابات مهما طال لهيبها، يمكننا إطفاؤها بالماء والتراب وحتى بأغصان الشجر، أما لهيب الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، فإذا اشتعلت فلن تطفأ ولسنوات، ولنا في العشرية السوداء، أحسن مثال، التي قضت على عشرات الآلاف من الجزائريين الآمنين، وانهار الاقتصاد والمجتمع، ووقف وقتها المجتمع الدولي متفرجا”.

وأجمع كثير من المعلقين على أن استهداف الجزائر خارجيا، وكثرة أعدائها المحيطين، وتغير الخارطة الجيوسياسية العالمية، ومواقف الجزائر التي تزعج بعض الدول، والتوتر الحاصل على حدودها “يجعلنا نتمسك بأصغر خيط للاستقرار والتماسك والوحدة بين الجزائريين، لأن فتح باب الفتنة سهل، أما إغلاقه فصعب جدا “.

وكتب معلق: “لا للفتنة.. حريق الغابة يلتهم الشجر ويخمد بالماء، وحريق الفتنة يلتهم البشر ويخمد بالدماء والأشلاء، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن “.

عائلة المغدور: “جمال”.. مثال للصبر والحكمة وتغليب المصلحة العامة

وثمنت مختلف أطياف الجزائريين، ردود فعل عائلة المغدور به.. حيث أكد والده رفضه استغلال قضية ابنه جمال، لخلق فتنة في البلاد، مؤكدا: “إن الجزائريين من عرب وأمازيغ، أهل وإخوة، ولا نريد الفتنة”. وهو تصريح، تم وصفه “بالشجاع والحكيم، الصادر من شخص متزن، وله بعد نظر “. ومن المواطنين من اقترح منح عائلة المغدور به جائرة نوبل للسلام، جراء صبرهم ومساهمتهم في وأد نار الفتنة والانتقام والتحريض.

ومن جهتهم، يسعى شيوخ وأعيان منطقة الأربعاء ناث إيراثن وأبناء منطقة القبائل ككل، إلى احتواء الموضوع. فبعدما استنكرو الجريمة، مؤكدين في فيديوهات نشروها على “فايسبوك” أنهم “سيسترجعون حق جمال بأنفسهم”، قرر أعيان المنطقة، التوجه إلى مدينة مليانة، لتقديم واجب العزاء لعائلته.

وفي سياق مواز، دعا المعلقون على مواقع التواصل الاجتماعي، الجهات القضائية، إلى “الضرب بيد من حديد، في هذه الجريمة غير المسبوقة، وتسليط أشد العقوبات، بعد التحقيقات، لتجنب تكرّرها في مجتمعنا، لأنها تعتبر أيضا إساءة إلى سمعة الجزائريين عالميا “.

حجيمي: الغلو والمكابرة والدعوة إلى الانتقام جالبة للمهالك

وفي الموضوع، اعتبر المنسق الوطني للأئمة وموظفي الشؤون الدينية، جلول حجيمي لـ ” الشروق”، أن جريمة الأربعاء ناث إيراثن “غير مقبولة، لا شرعا ولا دينا ولا إنسانية ولا أخلاقا”، وناشد جميع الجزائريين، لتحكيم نداء العقل والحكمة، والاهتمام بمشاكل البلد، وعلى رأسها الوباء والنيران التي لا تزال مشتعلة.

ودعا محدثنا إلى إدانة كل أشكال الفرقة والتفرقة، والجنوح إلى التضامن والتآزر، باتخاذ الإجراءات القانونية والشرعية الصحيحة. وأضاف قائلا: “الغلو والمكابرة، والدعوة إلى الانتقام، ستجلب الفتن التي اعتبرها الدين الإسلامي أشد من القتل”. وبحسبه، فالتزام الصمت في هذا الظرف الحساس “حكمة لا يعقلها إلا أولو الألباب، وأي شخص مسؤول عن أي كلمة تسبب الفتنة بين المسلمين، فهو مسؤول أمام الله عن كل نتيجة وخيمة “.

وثمن حجيمي ردود فعل عائلة الضحية “التي أبدت صبرا كبيرا، ورضا بالقدر، وحكمة وتبصرا كبيرين “.

نبيل كحلوش: الجنوح للسلم فيه إنقاذ للمجتمعات من الفرقة والتمزق

ومن جهته، يرى الباحث في الأمن الاستراتيجي، نبيل كحلوش لـ “الشروق”، بأن الجزائر تعيش تحديا لتحقيق التماسك الاجتماعي والثقافي الداخلي، الذي يعتبر من بين أهم قدرات الدفاع الاستراتيجي للدول. لأن الأحداث الأخيرة “تشير إلى وجود شرخ داخلي وتملص من المسؤوليات وفكر جهوي وقومي سلبي، لابد من محاربته بالتماسك، وقوة الروابط المعنوية كالدين واللغة، والروابط الاجتماعية كالتصاهر والتضامن، التي تؤدي دور الإسمنت المسلح، لتقويم الجبهة الداخلية “.

أما المؤشرات الخطيرة لانهيار هذا التماسك، بحسبه، فتتمثل في التسيب والتراخي في تطبيق القانون، والتطبيع مع الجريمة، “بحيث كلما تساهل المجتمع في قبول الجرائم كان تسلطها عليه أكبر. وعدم انتهاج مقاربة علمية في إدارة الأزمات، وعدم التعمق في معالجتها”.

إضافة إلى الحرب الإعلامية والفكرية والنفسية الممارسة بالوسائل الحديثة من خارج الجزائر، التي لم يصل بعد مجتمعنا إلى إدراك كل تفاصيلها والتحصن منها. وهذه تدخل ضمن حروب الجيل الرابع القاضية بالتفجير من الداخل.

ودعا محدثنا الجزائريين إلى الجنوح للاﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻝ بينهم، وﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺄﻣﻦ، وﻧﺒﺬ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﻭﺍﻟﻐﻮﻏﺎﺋﻴﺔ.

مقراني: 10 جرائم خطيرة ارتكبها الفاعلون موثقة بالصوت والصورة

قانونيا، تعتبر جريمة قتل “جمال”، انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، لأنها “تتعارض مع كل القوانين العرفية، الدينية، الوطنية وحتى الدولية”، بحسب تعبير المختص في القانون، محمد مقراني لـ “الشروق”.

وقال بأن الأشخاص الذين قاموا بالفعل “تعدوا على صلاحيات العدالة، التي تعد الجهة الرسمية الوحيدة التي يمكنها التحقيق في الحادثة على أساس الاختصاص، ولا يحق لأي مواطن تسليط العقوبة التي لا تتماشى مع القانون”، مؤكدا أن هذه الجريمة تندرج في إطار الأعمال الإرهابية ويقع تكييفها في خانة الجناية.

والمتورطون، ارتكبوا أفعالا خطيرة، وهي جريمة الترصد، الاعتداء على جهاز أمني أثناء أداء وظيفته، عرقلة التحقيق، تكسير أملاك عمومية، تصوير عملية الاعتداء بالحرق، الاختطاف، الضرب والجرح العمدي المفضي إلى القتل، تكوين جماعة أشرار والاعتداء في وضح النهار على المواطنين باستعمال العصي، التنكيل بالجثة، استعمال ألفاظ عنصرية تشجع على خطاب الكراهية… وهي الأفعال التي يجرمها المشرع الجزائري، طبقا لنص المادة 261 من قانون العقوبات، ورتب لها العقوبة القصوى، وهي الإعدام كما نص في المواد اللاحقة على فعل التعذيب والقيام بأعمال وحشية من خلال المادة 262، والمادة 263 مكرر، والمادة 263 مكرر 1. وأضاف محدثنا أن الألفاظ والفيديوهات المتداولة تدخل في نطاق الجرائم التي يعاقب عليها قانون الكراهية الجديد، لأنها تمس بالوحدة الوطنية واللحمة الشعبية.

ومن جهته، دعا المحامي عمار خبابة، إلى نقل التحقيقات القضائية في القضية، من محكمة الأربعاء إلى محكمة سيدي أمحمد بالجزائر العاصمة أو القطب الجنائي، لضمان حسن سير التحقيق.

قوراية: الجريمة أظهرت النفسية المريضة والحيوانية للمتورطين وتلذّذهم بفعلتهم

وفي التفسير النفسي لجريمة الثلاثاء، اعتبر البروفيسور والخبير في الصحة النفسية، أحمد قوراية، فقال لـ “الشروق”، إن الحادثة التي عاشتها منطقة الأربعاء ناث إيراثن، تعتبر جريمة وحشية، تقشعر لها الأبدان، وأظهرت “النفسية الحيوانية المرضية للمجرمين، وهم يتلذذون بقتل شاب ذهب لتقديم المساعدة لإطفاء حرائق تيزي وزو”.

ورجّح محدثنا أن الفاعلين لا يمكن أن يكونوا أسوياء، “فإما هم من متعاطي المخدرات، أو أصحاب نفسية مريضة”، لأنهم ارتكبوا ثلاث جرائم نفسية في وقت واحد، من اعتداء على مركز الشرطة بالعنف الجسدي، وإخراج الضحية من مقر الأمن، ثم ضربه وقتله بوحشية وإحراقه، والأخطر، أنهم كانوا يتلذذون ويتفرجون ويتصورون مع الجثة..؟؟”

وهؤلاء، بحسبه، تجردوا نفسيا من العاطفة الإنسانية، ولهم قابلية نفسية عقلية للإجرام، كما أنهم “يعتبرون خطرا على المجتمع الذي يعيشون فيه، قادرين على القيام بنفس الجرائم مستقبلا وبدم بارد “.

ومن جهة أخرى، دعا محدثنا سكان الأربعاء ناث إيراثن وأعيانها، إلى التدخل وجمع دية المتوفى، والتوجه نحو عائلة الضحية لطلب العفو وتقديم التعازي، مع حضور مراسم الدفن، وهذه “سلوكات نفسية، من شأنها امتصاص غضب عائلة الضحية وتهدئة النفوس، كما أن على الأئمة التدخل في علاج هذه المشكلة، درءا للفتنة، وهي في مهدها”. وكما على الجهات الأمنية، التحرك والقبض على كل المجرمين، وحتى من كان حاضرا في ساحة الإجرام، لأنه كان متفرجا ولم يتدخل لحماية شخص في خطر.

والتمس قوراية من أهالي مدينة مليانة العريقة “التفهم، بأن هذه الجريمة، فعل منعزل لمجموعة لا تمثل بتاتا أهل تيزي وزو ومنطقة القبائل، وبأنّ جميع الجزائريين متضامنون معهم في أحزانهم.

ودعا في السياق نفسه الشباب إلى تجنب تغذية الفتنة، وروح الانتقام، “وأن يتحلوا باليقظة والفطنة، ويتركوا الأمر للقانون والعدالة، لأننا في دولة الحق والعدل، ومحاربة دعوات الفتنة والعنصرية، من شياطين الإنس وصناع الموت، المتشبعين بالضغينة للشعب والوطن”. وأردف قائلا: “أعداء الوطن المتخفون الخادمون لمصالح العدو الكلاسيكي، يخططون لأن تنزلق الجزائر نحو حرب أهلية، لإحراق كل ما هو جميل في وطننا الغالي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • أنا

    يا شيخ حجيمي، يجب ذكر أيضأً أن الله تعالى قال : (( و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ))

  • خليفة

    نعم الشعب الجزائري كتلة واحدة ،و كلهم حماس لاطفاء نيران الغابات و نار الفتنة ،في ظل هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الجزائر ،نرى هبة التضامن الشعبي لمساعدة المتضررين من هذه الحراءق ،نعم تلاحم و تراص صفوف الشعب الجزائري يتجلى اكثر وقت الازمات ،و لذا لابد للعدالة ان تقوم بعملها لكشف المجرمين و محاسبتهم على افعالهم الشنيعة و التي تتنافى مع العقل و الدين و الانسانية،فلتحيا وحدة و تضامن الشعب الجزائري ،و ليموت اعداء الوطن و الشعب في غيظهم.

  • الهادي

    الحكمة تتطلب القصاص من الجناة، و هؤلاء معروفون و صوّروا أنفسهم بأنفسهم ( الفيديوهات موجودة على اليوتيوب) ، فما على العدالة إلاّ أن تعمل عملها لا أكثر و لا أقل، و إلاّ رجعنا إلى زمن الكاوبوي.

  • و مكروا مكرا كبارا

    لا للفتنة نعم للعدالة الكرامة استرجاع الحقوق. الجزائر واحدة موحدة.

  • جزائري

    لا للفتنة نعم للقصاص