الإثنين 09 ديسمبر 2019 م, الموافق لـ 11 ربيع الآخر 1441 هـ آخر تحديث 23:00
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

مناظرات تونس.. و”مناحات” الجزائر

حسان زهار كاتب صحافي
ح.م
  • ---
  • 12

ما إن بدأت مناظرات الرئاسيات في تونس، بالديكور الجميل والأنيق.. حتى بدأ النواح واللطم في الجزائر.

جماعة “مدنية ماشي عسكرية”(..) اقتنصوا الفرصة التاريخية هذه طبعا، وبدأوا في موال عظيم، وفي بكائيات لا نهاية لها.. كيف لتونس الصغيرة تسبقنا بسنوات ضوئية في مجال الحريات والديمقراطية؟ لا شك كما يزعمون أن العسكر هو السبب.

الايحاءات ذهبت مباشرة، إلى استجلاب صورة الجنرال رشيد عمار، قائد الجيش التونسي الأسبق، كيف رفض أوامر بن علي في سحق المتظاهرين، وكيف كان سببا في هذه اللوحة التونسية الجميلة من الديمقراطية والحريات..

بينما كانت السهام لقائد اركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح.. كما لو أنه استجاب لأوامر العصابة بسحق الحراك، أو كأنه لم يطالب بوتفليقة بالانصياع لصوت الجماهير، أوكأنه لم يدخل كل العصابة إلى السجون استجابة لصوت الشعب؟

بينما تجاهلت تلك القراءات أي مقاربة بين ما قام به قائد الجيش المصري المشير طنطاوي وما يجري بالجزائر اليوم.. لصالح المسار الديمقراطي، والذي أفضى في مصر حينها لانتخاب أول رئيس مصري منذ 5 آلاف سنة، لأنها مقاربة لا تخدمهم.

وما فات عن مخيلة النواحات.. أن الديمقراطية مسار وتدرج، وأنه بعد ذهاب بن علي، لم يتوقف الشعب التونسي عند رؤية رموز النظام القديم وهي تتصدر المشهد، أمثال فؤاد لمبزع، محمد الغنوشي، والباجي قايد السبسي وغيرهم.. بل ذهب رأسا الى محاولة بناء نظامهم الجديد.. وتجاوز أصوات التعطيل عكس ما نقوم به نحن حاليا.

ثم ليست الاشكالية أبدا في المناظرات وفي الديكور وفي الواجهة الاعلامية، لقد كانت الجزائر سباقة لهذه المظاهر الخداعة بداية التسعينات.. وكم كنا ننتشي لرؤية المناظرات والسجالات السياسية العالية التي ينشطها أمثال عباسي مدني، سعيد سعدي، عبد الحميد مهري، نور الدين بوكروح وغيرهم.. قبل أن تنقلب الآية رأسا على عقب، لنصبح على ما فاتنا من النادمين.

المشكلة أن نسبة كبيرة من الذين يسوقون اليوم للديمقراطية التونسية، كانوا على رأس من دعموا الانقلاب على الديمقراطية الجزائرية عام 1992.. فلقد أزعجتهم وقتها أن تكون للجزائر ديمقراطيتها التي تفاخر بها العالم، ولم يكن يهمهم رؤية المناظرات التلفزيونية ولا الحملات الانتخابية، كما يروجون اليوم، وإنما كان يهمهم فقط أن تحكم الأقلية.

وللغرابة، هؤلاء وبعد أن حطموا ديمقراطية الجزائر الفتية، رأيناهم بعد ذلك، يدندنون على نفس النغمة الحالية للديمقراطية التونسية، بحلتها البورقيبية العلمانية، حتى أن بعضهم كانوا يطالبون باستنساخ قانون الأحوال الشخصية التونسي بحذافيره، انتصارا لمكبوتات جنسية بحتة تجاه مفاهيم خاطئة لحرية المرأة.

نحن لا نترفع عن تجارب الآخرين.. ويهمنا أن نتعلم ما يصلح حالنا.. لكن ليس بإغفال المسارات والسياقات المختلفة.. والتي سيؤدي عدم الاخذ بها إلى الوقوع في فخ المقاربات الوسخة، أو المقاربات الغبية على أقل تقدير.

تونس ليست الجزائر.. تاريخا وموقعا وامكانيات بشرية واقتصادية، وتأثيرا في العالم وفي استراتيجيات الصراع الدولي، علاوة على موضوع وجود “أقلية” في الجزائر ودروها الخطير في فرملة مسيرة التحرر الوطني والاستقواء بالخارج.

وما يسمح به لتونس قد لا يسمح به للجزائر.. تماما كما أن ما يسمح به للبنان.. قد لا يسمح به لسوريا أو مصر أو السعودية.

لقد تخلت فرنسا الاستعمارية عن تونس وعن المغرب، وعن عدد كبير من الدول الافريقية، فقط لكي تحتفظ بالجزائر، بوصفها أرضا فرنسية وليس مجرد أرض مستعمرة.. والديمقراطية في الجزائر يعني خسارة استراتيجية لهذا المستعمر القديم، لا تقارن إطلاقا بخسارته في حال قبوله بالديمقراطية في تونس.

والأمر ذاته ينطبق على باقي الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ووكلائها الصغار في منطقتنا العربية، حيث حرية الشعوب، خاصة التي تملك ثروات كبيرة، تشكل خطرا على مصالحها.

لقد نالت تونس استقلالها بأقل الأضرار، ونالت الجزائر استقلالها بملايين الشهداء..

ودخلت تونس المنتدى الديمقراطي، أيضا بأقل التكاليف سنة 2011 بعد ثورة سميت بثورة الياسمين، بينما لم يسمح للجزائر أن تدخل هذا المنتدى سنة 1992، على الرغم من أنها دفعت فاتورة ثقيلة بـ250 ألف قتيل.

وهذا يعني أن الصراع في تونس، هو صراع على كرسي الرئاسة على بلد هامشي.. وهذا أمر مسموح به.

بينما الصراع في الجزائر.. فهو قضية سيادة وبترول وهوية ولغة وراية وحضارة.. ما يعني أن الأمر أكثر تعقيدا بكثير.

وهو ما يتطلب من الجزائريين تضحيات أكبر، ونضال أطول، ووعي وإدراك أعلى.

مقالات ذات صلة

  • ما أغنى عني ماليه.. هلك عني سلطانيه

    سلطانان يطغيان الإنسان، ما لم يكن ملتزما بالقانون أو محصّنا بالإيمان، هذان السلطانان هما سلطة المال وسلطة السلطان اللذان غالبا ما يكونان أهم وسيلتين للشيطان،…

    • 729
    • 2
  • تحيا "الشوفينية" و"الشعبوية"!

    إذا كانت الوطنية، ومعاداة فرنسا، قد صارت شوفينية وشعبوية، فلتحيا هذه الشوفينية وتلك الشعبوية، وليسقط عبيد الاستعمار وأولاده. تعاليق كثيرة سمعناها منزعجة، وأصحابها يتألمون، كأن "خازوقا"…

    • 1078
    • 7
600

12 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • كريم

    نعم انها الجزائر بلد المعجزات بلد يعتبر من اغنى الدول وشعبه محبط بلد دولته لا تحب شعبها وتسعى لاخضاعه والله ان مالم تستطع فعله فرنسا في 130سنة فعله النضام في 20سنة حطم الهوية والمجتمع الجزائري

  • عزوز بوالروز

    الكاتب ما شاء الله كأنه يقرأ أفكاري حرفيا و يرددها
    و الله هذا ما يفكر به أغلبية الجزائريين و يوم يحين الوقت سيخرجون عن صمتهم و يطردون كلاب الديمخراطية الخونة و العصابة

  • elarabi ahmed

    السؤال المحير والمزعج فى نفس الوقت هو لمادا قررت فرنسا الأحتفاظ بالجزائر والتخلى عن تونس والمغرب الجواب قد تجده خارج الجزائر

  • Tounsi

    لا يا سيد تونس ليست بلد هامشي وهي ام الحضارات, راجع تاريخ شمال افريقيا وستعرف ان تونس ارض الحضارة وهي السباقة على مر القرون.

  • محمد التونسي

    تونس بلد هامشي؟ بارك الله فيك. لو كان الأمر كذلك لمذا توليه كل هذا الاهتمام؟ بل أشتم رائحة التعالي من حديثك. أقول في النهاية: الجزائريون يحبون تونس والعكس صحيح. وهذا هو المهم.

  • ياسين

    في الجزائر هناك أقلية انتهازية تحسن امتطاء الأكثرية “المغفلة”؟ أقلية لها تأثير كبير في صناعة الرأي العام بما لها من مراكز نفوذ داخل دواليب المؤسسات الفاعلة؟ هذه الأقلية الانتهازية “الفاعلة” ليس لها قاعدة شعبية انتخابية لكن تحسن تجييش هذه القاعدة الشعبية الكبيرة المغفلة؟ و توجهها الوجهة التي تريد كما حدث سنة 1988 و 1992؟ فهل ستنجح الأقلية هذه المرة أيضا؟؟؟

  • ملاحظ

    الامراض اصناف و درجات ، اخطر مراحلها تسمى التشخيص الحيوي diagnostique vitale و هي الحالة التي امامكم

  • أنور freethink

    تعليق 4:
    الكاتب لايتكلم عن تونس في الماضي، هو يتكلم بلغة جيوسياسية وإقتصادية وعسكرية..من الذي يشكل تهديدا أكبر لفرنسا وأوروبا؟ أليست الجزائر بقدراتها العسكرية والإقتصادية والجغرافية والديبلوماسية والبشرية، ماشاء الله، وتأثيرها في محيطها وملفات عدة، من أوبك إلى سعر النفط إلى الشرق الأوسط وكذلك الحدود مع ليبيا، الهجرة، الساحل، فهم لايريدون دول قوية قادرة على أن تكون مستقلة، بل يريدونها خاضعة، مديونة، ومرتعا لشركاتهم متعددة الجنسيات، وبنوكهم الأخطوبوطية الفاسدة والمفسدة أو يحاربونها.
    كلام الكاتب ليس فيه أبدا إنقاص من تونس أو حضارتها ولكن واقعيا، ليس لها نفس الإمكانات، ونرجو أن نتحد ذات يوم.

  • الدكتور محمد مراح

    أوافقك استاذ حسان على ما قلت / لكن ألاحظ مسألتين هما : أن تونس ليست بلدا هامشيا ، بل هي بلد صغير جغرافيا لكنه استراتيجي جغرافيا، ثم عنصر بشري يمدَ اليوم المؤسسات والشركات الغربية والعربية بكفاءات عالية، معرفة وتدريبا ـ وسلاسة تكيف مع التطورات الهائلة في التقنيات والمناهج ومنها المناهج التعليمية .
    ثم هي بلد مُلهم لأسبقياته في الحربات { ولسنا نقييم هنا } وانجاز سابقة ديمقراطية شعبية، ذاتية دون دعم خارجي . وهي اليوم تدفع ثمن استقلال ثورتها اليسمينية .
    أما المسألة الثانية: أن ندابينا لن يرضوا عن قيادة الجيش ولو أدخلوا أنفسهم سجن الحراش، لأن مشكلتهم مع الديمقراطية الشعبية أولا وأخيرا .

  • TERGUI

    تونس بلد فرنكوفوني 100بال100هذا ماجعلهم يتفوقون ببعض المجالات
    فرنكوفوني؟؟؟ أنت ضد هذا
    غريب لم تتطرق لهذه النقطــــة ؟!!

  • نمام

    حتى لا يعود النظام السابق لابدا من ديمقرطية وعلينا الاستفادة من تجارب الاخرين ولودول صغيرة الم يستفد من محنتنا العشرية السوداء دول فتونس دبلجة الدستور تركز على الحرية وحقوق الانسان وحرية المعتقد و الراي وان كان النضال ما زال شاقا اما ان ناخذ من النظام الديمقراطي شكله الانتخابي وننسى حكم الاغلبية التي هي استبداد غرتكم كثرتكم يوم حنين من باب ويل للمصلين الديمقرطية حرية اعلام وراي لا الراي للجالس على الكرسي فما ضرنا لو فتحنا نقاشا ولقاءات من المفروض ان الرئيس الراغب في الترشح يكون مهيئا ويبدا شكلا في الدعاية اما ان يختفي حتى الدورة الاخيرة اقل من شهر لتظهر الوجوه اما بلديزور مدعوم او ارنب طامع

  • صالح بوقدير

    تتكلم عن الاقلية المتمترسة بالدبابة أم تتكلم عن الاقلية المناضلة؟ فإذا كانت الاولى فقد ذهب ريحها وإذا كانت الثانية فقد انظمت إلى الاغلبية فالشعب صوت واحد

close
close