-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هروِلْ في شعبان.. حتى تركضَ في رمضان!

سلطان بركاني
  • 637
  • 0
هروِلْ في شعبان.. حتى تركضَ في رمضان!

توالت أيام شعبان سريعا، ولم يبق منه إلا أسبوع واحد يفصلنا عن محطّة هي أهمّ بكثير من محطّة الوقود التي يتلهّف لها من أزف وقود سيارته على النّفاد.. وما أكثر القلوب التي تنبض -بصوت مسموع- ليل نهار بأنّ طاقتها تكاد تنفد وأصحابها لا ينتبهون! في أيام شعبان تومض القلوب والأرواح تطلب من الأنفس الأمّارة بالسّوء أن تنتبه لشهر تعرض فيه الأعمال على الله فيغفر -سبحانه- ذنوب عباده المتعلّقين برحمته الراجين عفوه، وكأنّ هذا الشهر إيذان بنهاية عهدٍ وبداية عهد جديد مع بزوغ رمضان.. كأنّ رمضان هو البداية الحقيقية للعام الجديد والعمر الجديد والعهد الجديد.

كان الصّالحون يقولون: “من لم تهرول نفسه من شعبان، عجز عن الركض في رمضان“، ويعنون أنّ من لم تتحرّك نفسه للتّوبة والرّغبة في الخير والأعمال الصّالحة والإصلاح في شعبان، فستكون عاجزة عن الإصلاح والتغيير في رمضان.

كثير منّا ملّوا حياة الفوضى التي يعيشونها، وحياة التفريط والتقصير التي هم مقيمون عليها، ويتمنّون أن يكون رمضان بداية حياة جديدة.. لكنّ مشكلتهم أنّهم لا يستعدّون لرمضان في شعبان، فضلا عن أن يستعدّوا له قبل ذلك.

الواحد منّا في أمور الدّنيا يستعدّ ويتأهّب لكلّ موعد مهمّ أياما أو أسابيعَ أو أشهرا قبله؛ إذا كان -مثلا- على موعد مع امتحان في دراسته فإنّه يستعدّ أياما وأسابيع وربّما أشهرا، على حسب أهمية الامتحان، وإذا كان على موعد مع مسابقة توظيف فإنّه يستعدّ مدّة كافية قبلها.. حتّى الفلاح الذي يّفلح أرضه، فإنّه يهيّئها أسابيع قبل أن يضع فيها البذر.. لكنّنا حين يتعلّق الأمر بسعي الآخرة لا نهتمّ بالاستعداد، نريد أن نزرع ونحصد في ذات اليوم أو ذات الشّهر.. نريد لخطبة الجمعة أن تؤثّر في قلوبنا وتتغيّر بها حياتنا بإذن الله، ونحن الذين لا نستعدّ للجمعة ولا نهتمّ بها إلا حين نسمع الأذان الأوّل.. وهكذا نريد أن تصلح أحوالنا في رمضان، ونحن الذين ننسى أنفسنا الأمّارة بالسّوء التي غرقت في الدّنيا 11 شهرا، وننسى قلوبنا القاسية حتى يؤذَّن للفجر من أول يوم من رمضان، فنتذكّر الإمساك عن الطّعام والشّراب والشّهوة الحلال، وربّما لا نتذكّر الإمساك عن المعاصي والذّنوب والشهوات الحرام!

الجمعة تحتاج إلى أن نحضّر لها أنفسنا، ورمضان كذلك يحتاج لأن نحضّر له أنفسنا.. وشعبان هو شهر التهيؤ والاستعداد لرمضان، ومن فاتته الأيام الماضية من شهر شعبان، فلتكن هذه الأيام الأخيرة من شهر التأهّب فرصته ليهيئ نفسه لاستقبال رمضان، لبدء حياة جديدة نظيفة ومنظّمة في شهر الفرار إلى الله.. ومن منّا لا يتمنّى أن يتوب إلى الله توبة نصوحا ويغيّر نفسه وينظّم حياته؟

في هذه الأيام الأخيرة من شعبان، ليضع كلّ واحد منّا نصب عينيه شغلا من أهمّ مشاغل الحياة، أهمّ بكثير من الاهتمام بمؤونة المطبخ وزينة المائدة في رمضان: هو الجلوس مع نفسه جلسة مصارحة ومحاسبة وتفتيش عن العيوب والنقائص.. هذه الجلسة هي أنفع جلسة يجلسها العبد في حياته، بعد جلسته لمناجاة خالقه.. يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [الحشر: 18]، أي: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وانظروا ماذا ادَّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم.. ويقول الحق -سبحانه-: ((وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)) [القيامة: 2]، والنفس اللوامة هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم صاحبها على الشر: لِمَ عملته؟ وعلى الخير: لِمَ لَمْ تستكثر منه؟

نعم أخي قارئ هذه الأسطر: أنت في أمسّ الحاجة لأن تجلس مع نفسك وتقول لها: “كفى يا نفس ما انشغلت بعيوب الآخرين، كفى يا نفس ما أخفيت من عيوبك.. كفى يا نفس ما تظاهرت بأنّك ملك كريم”.. أنتَ في حاجة إلى عمل فحص دقيق (سكانير) لنفسك، وهذا الفحص مجّاني لن تدفع لقاءه دينارا واحدا، ولكنّه مهمّ جدا، لمعرفة أمراض نفسك وعيوبها.. ربّما تذهب إلى عيادة الكشف بالأشعّة لعمل IRM، فتكون النتيجة أنّك سليم بحمد الله.. ولكنّ هذا الكشف لن يريك أمراض نفسك.. قد تكون نفسك مريضة بالسّرطان والسكانير لا يستطيع كشفه.. بل قد تكون نفسك ميتة والسكانير يقول لك: كل شيء على ما يرام.. السكانير لن يكشف لك عن القسوة التي غطّت قلبك حتّى أصبحتَ لا تخشع في صلاتك، بل أصبحت تتعذّب بالصّلاة وتتمنّى التخلّص منها في أسرع وقت ممكن. قسوة قلبك التي جعلتك تدخل المقبرة ضاحكا وتخرج منها كما دخلت ضاحكا. تدخل المقبرة وقد تركت خلفك صلوات ضيعتها ثمّ تخرج من المقبرة كما دخلت. تدخل المقبرة، وأنت تعلم أنّ هناك أعينا أسلت دموعها بظلمك، وتخرج منها من دون أن يخطر على بالك أن تصلح.. لن يكشف لك السكانير قسوة قلبك التي جعلتك تسمع القرآن ولا يتحرّك شيء في روحك ولا في نفسك.. السكانير لن يكشف لك عن مرض التّسويف الذي عشعش في نفسك؛ كم مرّة أجّلت التوبة؟ كم مرّة أجّلت أعمالا صالحة يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، حتى مضت عليك سنوات وأنت تسوّف؟ كم أجّلت الإقلاع عن أعمال سيّئة، يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، حتى مرّ من عمرك الكثير وأنت تسوّف؟ السكانير لن يكشف لك مرض الحسد الذي يملأ قلبك، أنت تشكو أنّ النّاس يحسدونك، وتنسى الحسد الذي ملأ قلبك لصديقك فلان وقريبك علان بل ولأخيك ابن أبيك وأمّك؟ السكانير لن يكشف لك عن الحقد الذي تحمله في نفسك لإخوانك المسلمين.. السكانير لن يكشف لك عن تعلّق قلبك بالمال.. السكانير لن يكشف لك الشحّ الذي عشعش في نفسك؛ في كلّ مرّة تسمع نداءات الإنفاق في سبيل الله، تقول لك نفسك: هناك محسنون آخرون سيتكفّلون بالأمر! هؤلاء يتظاهرون بالحاجة والفقر وهم يكذبون! هؤلاء الناشطون في جمع الصّدقات يوزّعونها بـ”المعريفة”!.. السكانير لن يكشف لك عن كذب نفسك وتزويرها وخداعها.. نفسك التي تسوّل لك ظلم قريبك أو جارك أو أخيك من أبيك وأمّك، ثمّ تبكي وتذرف لك دموع التماسيح وتصوّر لك بأنّك أنت المظلوم!

السكانير لن يظهر لك المال الحرام الذي تأخذه من عملك أو من تجارتك.. السكانير لن يخرج لك قائمة بالنّاس الذين ظلمتهم وأكلت حقوقهم، ولن يكشف لك أسماء عباد الله المسلمين الذين سلّطت عليهم لسانك واغتبتهم وبهتّهم، ولن يحسب لك الدّيون التي لا تزال معلقة في رقبتك وتجد لك نفسك الأمارة بالسوء الأعذار والمبرّرات لتؤخّر سدادها؛ تشتري من ألوان الفواكه والحلويات وتتوسّع في اقتناء الكماليات، وأضحيةُ العيد لا يزال ثمنها دينا في رقبتك!

السكانير لن يكشف لك النّظرات التي كنت تسترقها إلى العورات في الأسواق والشّوارع وعلى التلفاز والهاتف. تلك النظرات الكثيرة التي قلّبتها في العورات والأجساد شبه العارية والعارية لن تخرج لك في السكانير، ولكنّك تعلمها والله قبلك يعلمها، والملك قد كتبها، ويوم القيامة ستجدها مكتوبة إن لم تتب منها…

السكانير الذي يكشف لك هذه العيوب وغيرها، هو تلك الجلسة الصريحة التي تجلسها مع نفسك لتنظر فيها بكلّ صدق، وفي بالك أنّك إن لم تُصلح نفسك فلن يتطوّع أيّ مخلوق آخر ليصلحها لك.. ربّما في نفسك عيوب كثيرة لا يعلمها بعد الله إلا أنت، وأنت فقط، وربّما هناك عيوب يعلمها القريبون منك لكنّهم لا يصارحونك بها خوفا من غضبك أو مجاملة لك…

كم تحرص -أخي المؤمن- على أن تبدو في أبهى صورة أمام النّاس! وكم تتلهّف لأن يثني عليك الآخرون ويقولوا عنك كلاما حسنا! لكن ماذا ينفعك -أخي المؤمن- أن تبدو أمام النّاس في أحسن هيئة ويقولوا عنك خيرا، وأنت تعلم حقيقة نفسك أنّها لا تساوي فلسا؟! وتعلم أنّ الله قد يكون ساخطا عليك وأنّك لو وقفت بين يديه الآن ستهلك.. وربّما يواجهك أحد النّاس القريبين منك ويصارحك بعيب تعلم أنّه موجود فيك حقيقة ولكنّك تستكبر: ((بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ))، مهما كذبتْ عليك نفسك وبرّرت لك أخطاءك وحاولتْ أن تخفي عنك عيوبك، فأنت تعلم جيّدا أنّ نفسك نفس سوء لا تساوي جناح بعوضة.. تُجمّل نفسك وتنسى أنّ التجمّل الحقيقيّ هو التجمّل للعرض على الله الذي لا تخفى عليه خافية. يقولُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزِنُوها قبل أن توزَنوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر”.

إنّه لا صلاح لحال العبد ولا فلاح له حتّى يعامل نفسه معاملة الشريك الخائن، وهذه نصيحة الرجل الصالح ميمون بن مهران -رحمه الله-، حيث قال: “لا يكون العبد من المتَّقين حتى يحاسب نفسَه أشدَّ من محاسبة شريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل”.

إنّها -والله- ما فسدت أحوالنا ولا كثرت الخصومات والخلافات والنزاعات في واقعنا، إلا لأنّ كلّ واحد منّا ينظر إلى نفسه على أنّه ملك كريم، وينظر إلى الآخرين من حوله على أنّهم شياطين مرجومون! إذا أصيب ببلية بسبب ذنوبه، تسمعه يقول: “إنّهم يحسدوني، لقد سحروني…”، ولو فتش في نفسه لوجد السّبب.. انظر -أخي المؤمن- إلى الصّالحين من عباد الله كيف كانوا يرجعون إلى أنفسهم ويحاسبونها عند كلّ مصيبة.. هذا -مثلا- أبو الدرداء -رضي الله عنه- أصابه مرة مرض، فدخل عليه أصحابه يعودونه ويقولون له: أي شيء تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قالوا: فما تشتهي؟ فقال: الجنة.. وهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-، كانت تصدع، فتضع يدها على رأسها، وتقول: “بذنبي، وما يغفر الله أكثر”.

بل قد كان الواحد منهم إذا لقي إساءة في يومه، يرجع إلى نفسه فيعاتبها: هذا مثلا أحد الصالحين لقيه رجل فأغلظ له القول ونال منه، فقال له الرجل الصالح: قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك، فدخل فسجد لله، وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له الرّجل: ما صنعت؟ فقال: “تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي”.

فما أحوجنا في هذه الأيام الأخيرة من شعبان إلى أن نرجع إلى أنفسنا الأمّارة بالسوء لنحصي عيوبها وذنوبها ونكتبها وننظر إليها، لنتوب إلى الله منها، ونجاهد أنفسنا على تركها في رمضان وبعده، لتكون توبتنا في رمضان توبة صادقة.. والتوبة التي تنفع العبد حقيقةً هي التوبة الصادقة التي يردّدها بلسانه، وقلبُه يستحضر ذنوبه وعيوبه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!