-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أئمّة المساجد.. وعُصبة الإفك!

سلطان بركاني
  • 1485
  • 0
أئمّة المساجد.. وعُصبة الإفك!

من سنن الله السارية والباقية في ابتلاء وتمحيص خلقه، أنّه -سبحانه- قضى أن يكون لكلّ داعية إلى الخير ناصح للنّاس حريص على هدايتهم وإيصال الخير إليهم، أعداءُ يسعون جهدَهم في إسقاطه وصدّ النّاس عنه وتفريقهم من حوله: يقول -تعالى-: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)).. وهؤلاء الأعداء، يمدّ بعضهم بعضا في الغيّ، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ويطلع الأوّل منهم الآخر على أسنح الفرص لإيقاد الحروب الآثمة وخوض المعارك الظالمة: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون)) (الأنعام: 112).

منذ خلق الله آدم -عليه السّلام- واصطفاه نبيا، وانتدب له إبليس عدوا وأعلن عليه الحرب الظّالمة، ظلّ جند إبليس يتواصون بإعلان العداوة لكلّ من يجتبيه الله داعيا إلى سبيله، وخوض المعارك الآثمة ضدّ دعوته باستعمال أخسّ الأساليب وأحقرها وأحطّها.. ولم يبعث الله نبيّا ولا رسولا إلا قام في النّاس من يعاديه ويفتري عليه الكذب ليصدّ عنه.. حتّى كان من خيرة خلق الله من رمي بالسّحر واختلاق الكذب، ومنهم من رُمي في عرض أهله.. وهكذا الأمر مع ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين والدعاة الناصحين؛ لم يُعرف في دنيا النّاس عالم عامل أو داعية غيور لدينه، إلا قام على طريقه من يعاديه ويصدّ عنه.

وفي زماننا هذا الذي أمسك فيه أهل المكر بناصية وسائل التأثير وكان لهم النصيب الأوفر منها، تنوّعت الأسلحة المستخدمة في حرب المصلحين، وتكاثرت الخطط التي يتواصى بها شياطين الإنس والجنّ لتشويه المصلحين.. وقد زاد المحنة حدّة أنّ كثيرا من المسلمين حادوا عن أخلاق التثبّت والتبيّن وحسن الظنّ، وأصبحوا ينساقون خلف الإثارة والفرقعات الإعلاميّة والعناوين الغريبة الجذّابة!

ابتليت الأمّة في هذا الزّمان بوسائل إعلام لا يتقي القائمون عليها الله، ولا يتأدّبون بآداب الإسلام.. يلهثون خلف الدّنيا، ويستبيحون كلّ وسيلة تبلغ بهم إلى الشّهرة وتغدق عليهم من عوائد الإشهار ما يغني ويُطغي! التثبّت والتبيّن والتريّث، أخلاق ما عادت تستهوي هؤلاء اللاهثين خلف الشهرة والإشهار، لأنّها تفوّت عليهم السّبق الإعلاميّ لصالح المحطّات المنافسة! ولذلك فخير الخبر -بالنّسبة إليهم- أعجله! حتّى ولو كان الأمر متعلّقا بالأعراض، ولو ترتّبت عليه فتن لا آخر لها!

كان من الطبيعيّ أن يكون العلماء والدّعاة وأئمّة المساجد هم الهدف الأوّل لهذه الوسائل الإعلاميّة، لأنّ من ذُكروا هم صفوة الأمّة الذين يثير الكلام فيهم انتباه مختلف شرائح المجتمع.. لا يهمّ أن يكون الكلام المثار حولهم صادقا أو كاذبا، المهمّ بالنّسبة لهذه الطينة من وسائل الإعلام هو الإثارة والجدل الذي تثيره العناوين الغريبة! حالها كحال ذلك الرجل الذي بال ذات زمن في بئر زمزم، فلمّا أحيط به وسئل عن فعلته، أجاب قائلا: “أردت أن يذكرني النّاس، ويقولوا عنّي: صاحب الفعلة”!

في الأيام الماضية، روّجت وسيلة إعلامية معروفة بلهثها خلف الإثارة وحرصها على كسر الطابوهات، زوبعة حول موقف إنسانيّ وقفه أحد الأئمّة لمساعدة أسرة فقيرة في علاج ابنتها المشلولة، حيث تواصلت “الوسيلة الإعلاميّة” بربّ الأسرة وحرصت على إخراج الموقف عن وجهته إلى وجهة أخرى تسيء للإمام وتشكّك في أمانته، حتّى اضطرّ الإمام لأن يحلف بالأيمان المغلّظة على كذب العُصبة الذين جاؤوا بالإفك، وتحدّى أهل البهتان أن يقدّموا البرهان على إفكهم.. ولأنّ الله قضى ألا يصلح عمل المفسدين، فلم تمض سوى أيام من محنة الإمام، حتّى ظهر الحقّ وزهق الباطل، واعترف ربّ الأسرة ببعض ما حيك لإسقاط الإمام المعروف بسيرته الحميدة وأمانته وحرصه على تقديم يد العون لأصحاب الحاجات.. وتبيّنت للنّاس حقارة ما قامت به الوسيلة الإعلاميّة!

أئمّة المساجد، هم -في هذا الزّمان- خيرة الأمّة بعد علمائها ومجاهديها، وهم خطّ الدّفاع الأخير في مواجهة الفساد والانحلال والرذيلة، وإذا سكت الأئمّة، أو أسكتوا بتشويه صورهم وإسقاط مكانتهم، فإنّه لن يبقى في الأمّة آمر بالمعروف ناه عن المنكر، إلا قليلا.. وإذا كان من واجب المسلم أن يتريّث عند سماع ما يستشنعه في حقّ أخ من عامّة إخوانه المسلمين، عملا بالواجب الذي أرساه قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) (الحجرات: 6)؛ فكيف إذا كان من يشاع عنه السوء إمامَ مسجد ما عُلم من سيرته إلا حرصه على الاستقامة وعلى إيصال الخير للنّاس في دينهم ودنياهم؟ وإذا كان يتعيّن على المسلم أن يتكلّف حمل ما يراه من أخيه المسلم على أحسن المحامل ما أمكن ذلك، عملا بقول أمير ومولى المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “من علم من أخيه مروءة جميلة؛ فلا يسمعنّ فيه مقالات الرجال، ومن حَسُنت علانيته؛ فنحن لسريرته أرجى”؛ فكيف إذا تعلّق الأمر بإمام مسجد تُسمع منه أطايب الكلام ويستعذب النصح من لسانه، ولا يكاد يُرى منه إلا الفعل الحسن؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!