أرض الرّباط هي شريان قلوبنا
خلال الأسبوع الماضي، شغل أحرار العالم بالحديث عن حصاد 100 يوم من العدوان الصهيونيّ على قطاع غزّة، وحُقّ لنا نحن المسلمين -خاصّة- أن نهتمّ بهذا الحصاد ونحصي شهداءنا الذين يسقطون كلّ يوم بالمئات لأجل ألا تسقط الأمّة ولا تموت.. وحُقّ لقلوبنا أن تبقى معلّقة هناك تترقّب ما تسفر عنه المعركة الحاسمة التي يخوضها أسود الشرى في الأرض المباركة.. المجاهدون ولله الحمد يثخنون في العدوّ ويكبّدونه خسائر لا قبل له بها، ولم يكن يتوقّعها وهو يكتشف أنّ جنوده الذين كان يعدّهم لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى لا يصلحون إلا للرقص والتمايل. كيف لا وهم الذين يفرّون أمام مجاهدي القسّام فرار الجرذان ويولون كالأطفال؟
أسود الوغى في قطاع المرابطة، لا خوف عليهم -بإذن الله- ولا هم يحزنون؛ فهم -كما نحسبهم- ممّن قال الله فيهم: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)). لكنّ الحزن كلّ الحزن هو على النّساء والأطفال والعزّل الذين ينتقم منهم الاحتلال الجبان.. أكثر من 24 ألف ضحية في 100 يوم. نحتسبهم عند الله شهداء، ومنظّمة “اليونيسف” نفسها تعترف بأنّ 70 % منهم نساء وأطفال، أي ما يفوق تعداده 15 ألف امرأة وطفل!
في 100 يوم أسقط الصهاينة 30 ألف قنبلة على غزة، أي 8 أضعاف ما ألقته أمريكا على العراق في 6 سنوات، وهذا لا يدلّ إلا على الحقد الأسود الذي يحمله الصّهاينة لأهل غزّة، لأنّ أهل القطاع يقفون حائط صدّ على طريق تحقيق الحلم الصهيونيّ في الأرض المباركة وما حولها.
الأعراب الذين لا يعلمون شيئا ممّا يحصل في هذا العالم، كانوا وما زالوا يلومون المجاهدين والمرابطين في كتائب العزّ والإيمان على أنّهم استفزّوا الاحتلال الصهيونيّ ليجد ذريعة في قصف غزّة وارتكاب هذه الجرائم، هؤلاء الذين يعيشون بعيدا عن الواقع، لا يعلمون أنّ المجاهدين حصلوا على معلومات مؤكّدة تفيد باستعداد العدوّ الصهيونيّ لاقتحام غزّة التي يراها الصهاينة الجبهة الوحيدة التي بقيت تقلقه في أرض فلسطين وما حولها؛ فالضفة الغربية الرسمية لا تقلقه كثيرا، ودول الجوار صوتها أخفض من أن يسمعه، ولم تبق إلا غزّة التي تقف عقبة كؤودا في طريق مخطّط تهويد القدس وفلسطين، والانطلاق في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى خلال السّنوات القادمة، علم المجاهدون بمخطّط احتلال غزّة، فخطّطوا بدورهم لهجمة استباقية تربك خطط العدوّ، وتؤخّر مخطّطات التهويد.
علم المجاهدون في القطاع أنّ حكومة الاحتلال الصهيونيّ بقيادة نتنياهو بدأت ترضخ للجماعات الدينية التي تطالب بأن يُسمح لها باقتحام الأقصى وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وقد حاولت هذه الجماعات في سنوات مضت استنفار اليهود لاقتحام الأقصى بأعداد كبيرة، ولكنّها لم تستطع في أفضل أحوالها جمع أكثر من 2200 يهودي، وسبب الإخفاق هو وجود فتوى لكبار الحاخامات تشترط فيمن يدخل المعبد (الهيكل الذي يزعمون أنّ موضعه في المكان الذي بني فيه المسجد الأقصى) أن يكون طاهرا، والتطهير لا يكون إلا بذبح بقرة حمراء ليس فيها أيّ لون آخر، عمرها جاوز السنتين، ولم تستغلّ في خدمة أو حرث، ولم يركبها أحد ولم تحط رقبتها بحبل.
وقد ظلّ اليهود يسعون لإيجاد هذه البقرة، لكنّهم فشلوا، على مدار 2000 سنة، إذ لم تولد بقرة بتلك المواصفات خلال 20 قرنا، وقد وجدوا قبل بضع سنوات بقرة حمراء، أحاطوها بالسرية والحماية وظلّوا ينتظرون أن تصل السنتين من عمرها، لكنّهم فوجئوا بظهور بعض الشعرات السوداء في شعرها، وظلّ الأمر كذلك، حتّى قرروا التدخّل جينيا لاستولاد هذه البقرة، وقاموا بذلك في ولاية تكساس الأمريكية في بداية العام 2022م، أين تدخّلوا جينيا واستولدوا 5 بقرات حمراء ليس فيها أيّ لون آخر، ونقلوها إلى الأراضي المحتلّة في شهر أكتوبر 2022م، تحت إشراف وزارة الزراعة في الكيان المحتل، وأحاطوها بالسرية وكلّ التحصينات وأجهزة المراقبة حتّى لا يقترب منها أحد فيضع حبلا على رقبتها أو يركبها، وهم الآن ينتظرون أن تبلغ السنتين من عمرها في الأشهر القليلة القادمة، ليذبحوا إحداها على جبل الزيتون المطلّ على الأقصى المبارك، ويحرقوها وينثروا رمادها، ليتطهّر اليهود من الخطيئة، ومن ثمّ يباح لهم دخول الأقصى بمئات الآلاف وبالملايين! وربّما يُقدمون على هدم الأقصى، وعندها ستتظاهر الحكومة الصهيونية بأنّها لم تستطع منعهم لأنّ أعدادهم كبيرة وهائلة!
هذه الحقيقة، علم بها المجاهدون في غزّة، لذلك أطلقوا عملية طوفان الأقصى، لعلّ المسلمين يستفيقون ويهبّون لنجدة أقصاهم قبل فوات الأوان، الأرواح التي ترتقي في غزّة الآن والدّماء التي تسيل كلّها فداء لدين الله وفداء للمسجد الأقصى المبارك، ونحن كأنّ الأمر لا يعنينا، انشغلنا بدنيانا وشهواتنا، بل شغلنا باللّهو واللّعب بينما الصّهاينة مشغولون بدينهم وعقيدتهم وتحقيق نبوءاتهم، الصهاينة لم يتأهّل فريقهم لكأس آسيا للأمم، ولم تعد تهمّمهم هذه الكأس، ونحن المسلمين لا حديث لشبابنا هذه الأيام إلا عن كأس أفريقيا وكأس آسيا، المتديّنون اليهود أصبحت لهم الكلمة الأولى في الكيان المحتلّ، حتى نتنياهو الذي كان يزعم كذبا أنّه يقود دولة علمانية، أضحى يتحدّث بلسان المتديّنين ويبحث عن رضاهم، ونحن مع كلّ أسف نرى كيف ينبذ المتديّنون الصّادقون الذين يغارون لدينهم وأمتهم ويريدون عزّها.
الإعلام العربيّ في السّنوات الأخيرة لا شغل له إلا تشويه المتديّنين والمتديّنات في الأفلام والحصص والمسلسلات، وكثير من الدّول العربية لا همّ لها في هذه السنوات إلا تجفيف منابع التديّن، وإبعاد شباب الأمّة عن دينهم بتسهيل وصولهم إلى المواقع الإباحية وإلى الخمور والمخدّرات، وشغلهم بالمهرجانات والسهرات والأغنيات والدوريات والمباريات، حتى الشباب الذين ينفلتون من الخمور والمخدّرات والمواقع الإباحية ويصرون على التديّن، يساقون إلى تديّن سلبيّ يبعدهم عن قضايا أمّتهم وعن القدس والأقصى وينسيهم معاناة إخوانهم في فلسطين وتركستان وبورما والهند وكشمير وسوريا والسودان والصّومال. تديّن يشغلهم باستدعاء المعارك القديمة مع الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وبالإصرار على إثارة الخلافات الفقهية في المسائل الاجتهادية.
قوى الشرّ في هذا العالم تنفق الأموال الطّائلة وتستنفر وسائل الإعلام العامّة والخاصّة، لتشغلنا عن قضايا أمّتنا، وتبعدنا عن المعركة الحاسمة التي يخوضها المرابطون في أرض الإسراء، إنّهم يخطّطون بمكر لينسونا قضية غزّة، وتصبح أخبارها مثل أخبار كأس أفريقيا وكأس آسيا.
إنّ أرض الرّباط هي شريان حياة قلوبنا وحياة أمّتنا في هذا الزّمان، ووالله لئن قطعنا هذا الشّريان لنكوننّ نحن من يموت، المرابطون قد تكفّل الله بتثبيت أقدامهم رغم الخذلان حتّى يأتي أمر الله، ونحن من نخسر إن قطعنا صلتنا بأرض الجهاد والرباط.
أغلب المسلمين يتفاعلون مع قضايا إخوانهم، ويتألّمون لجراحهم، بعض الوقت، ويصرخون بأعلى أصواتهم يستجْدون حكام الأمّة ليفعلوا شيئا، لكنّهم لا يلبثون طويلا حتى يصابوا بالفتور، وتصبح أخبار الإبادة والمجازر عادية في يومياتهم، وربّما يمرّ الواحد منهم على خبر قتل العشرات في قصف صهيونيّ، فيقطّب جبينه ويحرّك لسانه ببعض الكلمات، ثمّ يمرّ بعدها مباشرة إلى أخبار كرة القدم ونتائج مباريات هذا الدوريّ أو ذاك، وربّما يمرّ على منشورات ومقاطع الضّحك، فيضحك ملء شدقيه، وينسى ما مرّ به من أخبار إخوانه المكلومين!