الرأي

أكبر من الجزائر.. أم كِبار بها؟

محمد سليم قلالة
  • 2558
  • 0

عرفت الجزائر عبر تاريخها الحديث صنفين من المسؤولين، صنف يؤمن بأنه لن يكبر إلا بشعبه وتاريخه ودولته، وصنف يعتقد خاطئا أن شعبه وتاريخه ودولته تكبر به.

 الصنف الأول سار على خُطى شعار الثورة التحريرية الكبرى: بطلٌ واحد هو الشعب، والصنف الثاني سعى عَبثًا أن يُعاكس مجرى التاريخ محاولا رفع شعار بطلٌ واحد هو أنا! وبين الصنفين تَراوح تاريخ الجزائر صعودا ونزولا، وسيتراوح في المستقبل. فكيف بنا نُبقيه على مساره الطبيعي حيث يعلو الشعب والتاريخ والدولة الأفراد، ولا يحدث العكس؟

بدت لي هذه الفكرة واضحة اليوم وأنا أرى مسؤولين مكَّنت ظروف تاريخية عابرة مرت بها الجزائر، أن يتبوءوا أعلى درجات المسؤولية، يتصرفون وكأن تاريخ الجزائر الحاضر والمستقبلي بيدهم وحدهم لا غير، وأنهم صانعوه والمتحكمون في مساره، القادرون على توجيهه الوجهة التي يريدون، ضاربين عرض الحائط بتطلعات الفئات الشعبية المختلفة وبمن يمثلها حق تمثيل، ومعتقدين أن زَمن الشعب الذي يصنع ويتخذ ويُنفذ القرار قد ولّى، وزمن الدولة فوق الجميع قد انتهى، وأحيانا في استعلاء لا نظير له على الجميع وكأنهم خُلقوا ليحكموا وخُلق الآخرون ليكون محكومين! متناسين أنهم في بلد، كل تاريخه النضالي قائم على نقيض هذه الفكرة تماما، رافضا قيادة الزعيم الأوحد الملهم الذي تتجسد الأمة في تصوراته وسلوكه وتندمج في تطلعاته وآفاقه بلا دور ولا تأثيرمهما كانت قوة هذا الزعيم.

أصبحت أُتابع كما يتابع الكثير مواقف بعض المسؤولين ممن يعتقدون أن مصيرنا نحن جميعا بأيديهم، وأن مصير البلد برمته أيضا بأيديهم، يتحدثون وكأنهم قضوا نهائيا على فكرة الشعب السيّد في بلده، بعد أن عملوا لسنوات متتالية على قلب نظام القيم لديه.. حيث انتقلوا به من شعب رافض للاستكانة إلا للحق إلى شعب طيّع  خنوع للمادة، قابل للتخلي على المبادئ وللتلون مع كل جديد، متخل عن فكرة أنه قادر على أن يقول نعم أو لا كما يريد، أو قادر على صنع برنامج وطني محدد للخروج من التخلف، أو ميثاق وطني جامع، أو دستور توافقي ناهيك عن رؤية مستقبلية واضحة.

 لقد استفرد الشخص الواحد بكل هذا، البرنامج أصبح برنامج الفرد الواحد، والدستور يُفصل على مقاسه، والحديث عن ميثاق وطني يعد من قبيل ماض قد ولى، وكل منظومة القيم تم قلبها إلى عكس ما كانت تحاول جاهدة البقاء عليه لعقود بعد الاستقلال.

وبدل أن تُصبح هذه الظاهرة عابرة، مرتبطة بمرحلة شخص معين، يمكن أن يلُفها طي النسيان بعد حين، ها نحن اليوم نراها تتجلى لدى مسؤولين في مستويات أدنى فأدنى، من رئيس حكومة أصبح يربط سياسة دولة بشخصه وبقائه في الحكم، إلى وال أصبح يتصرف وكأن الولاية هي هو، إلى هذا المسؤول في هذا القطاع أو ذاك أصبح يعتقد أنه الأوحد، الحاكم الناهي والشعب هو آخر من ينبغي التفكير فيه. وكأن المرض قد تفشى في كافة المستويات إلى درجة أن أصبحت السياسة ليست سياسة دولة أو حكومة أو شعب إنما سياسة أفراد. أو مجموعة أفراد تعمل لصالحهاأوليغارشيةتحظى بتأييد صنف أعلى من هؤلاء المسؤولين.

وتجلت الخطورة لكل متتبع لهذا التطور، وأصبح لزاما علينا التذكير بأن للجزائر منهجا في التسيير وطبيعة كامنة في شخصية شعبها ينبغي أن لا تُغير، بل ورَفْع الصوت عاليا بالقول أن أي مساس بهذا الجوهر يعني  ضرب العمق الاستراتيجي لوجود الدولة الجزائرية وخلخلتها من الداخل والدفع بها إلى حالة من الهشاشة تجعل منها قابلة للتفكك والانهيار غير قادرة على صناعة التاريخ كما كانت

ولعلنا لم نعرف في تاريخنا مرحلة مثل التي نعيشها اليوم حيث أصبح توافه قوم وأميون وبلا أخلاق ولا فضائل ومرتشون وفاسدون على جميع الأصعدة، يعتبرون أنفسهم قادة لأسيادهم ويسمحون لأنفسهم بالحديث عن الوطنية وبناء الوطن وتمثيل الجزائر داخليا وخارجيا، وأحيانا يلوحون بالتهديد والوعيد كلما ارتفعت أصوات منددة بسلوكهم وتصرفاتهم.

أبدا لم يعرف تاريخنا الوطني مثل هذه الحالة، لقد عرفت ثورتنا التحريرية قادة عظاماً، مثال في الإخلاص وحب الوطن ونظافة السريرة والأخلاق، وقدوة في الكفاءة والتضحية ارتقوا في كثير من الأحياء إلى مرتبة الشهداء، إلا أن أحدا منهم لم يزعم أنه هو الثورة أو هو التاريخ، بل أن كل من زعم ذلك وجد نفسه على هامش الثورة والتاريخ، بما في ذلك زعيم الحركة الوطنية مصالي الحاج، وأحد أبرز قادتها  بعد الاستقلال، أحمد بن بلة. لم تكن طبيعة الشعب الجزائري تقبل منهم أن يكونوا أكبر من الثورة أو أكبر من البلد.

ولعل هذا ما فهمه الرئيس الراحل هواري بومدين حيث جعل نفسه يكبر بالجزائر وليس العكس، جعل نفسه يكبر بتضحيات الشهداء وتضحيات الشعب الجزائري وليس العكس، فكانت زعامته بحق زعامة مُعبِّرة عن روح الشعب العميقة، ولذا فإنه رحل نظيف اليد، نظيف الجيب، رغم ما علق به من شوائب وما ارتبط بسياساته من أخطاء كبشر.

والشيء ذاته بالنسبة للرئيس ليامين زروال الذي تمكن في حقبة تاريخية وجيزة من أن يبدو في خدمة الشعب وليس أعلى منه، حيث لم يزعم أبدا أنه هو القادر على صنع أمجاده أو أمجاد الجزائر، بل جاء لمهمة أداها عن أحسن وجه وغادرها إلى بيته حيث يعيش ككل الناس، منع سقوط مؤسسات الدولة، وأرسى قواعد مصالحة وطنية حقيقية، وأوقف الاقتتال بين الجزائريين، ثم غادر بلا أسف على أعلى منصب في البلاد . لقد تصرف وفق المنهج المتطابق مع الجوهر الاستراتيجي للدولة الجزائرية، ولم يسعى لتغيير هذا الجوهر، وسجل له التاريخ أنه أرسى قواعد التداول على السلطة بتحديد العُهدات، وأرضية صلبة لميثاق مصالحة وطنية بين جميع مكونات الشعب الجزائري، وأتم المهمة التي أنيطت به إيجابا حتى وإن علقت بها بعض الشوائب أو حدثت بها بعض الأخطاء

وهكذا تميز القادة الذين عملوا ليكبروا بالجزائر، عن أولئك الذين ما زالوا يعتقدون خطأ، وعن وهْم ومرض، بأن الجزائر والشعب الجزائري سيكبر بهم.. وهذا ما ينبغي تصحيحه عاجلانحن في حاجة إلى قيادة تنسجم مع عمق الشعب، لا إلى قيادة تسعى لتغييره وفق طبيعتها  المريضة بكافة المقاييس.

مقالات ذات صلة