ألغوا بكالوريا العار
الآن انتهى آخرُ امتحانٍ محترَمٍ وذي مصداقية في الجزائر، ولم يبق إلا الغشّ والمؤامرات وتسريب الأسئلة عبر “فايسبوك”.. وسائلُ الاتصال المتطورة أصبحت نقمة على أبنائنا تُعلّمهم الغش والتحايل والنجاح دون بذل جهد، بدل أن تكون نعمة تسهِّــل لهم سرعة الوصول إلى مختلف العلوم والاستزادة من شتى المعارف.
بكالوريا السبعينيات والثمانينيات التي كان لا ينجح فيها سوى أفضلُ الطلبة الثانويين، ذهبت إلى غير رجعة، وبدأ مسلسل تمييع البكالوريا في التسعينيات، بعد أن تدخّلت فيها السياسة وبدأ تدليلُ الطلبة ونفخُ نسب النجاح من عامٍ إلى آخر، وصعدت إلى الجامعة دفعاتٌ كغثاء السيل سرعان ما فضح سوقُ العمل ضحالة مستويات الكثير من المتخرّجين فيها، والآن تكتمل المهزلة باستعمال التكنولوجيا للغش على نطاق واسع كما حدث في بكالوريا 2015، ولتسريب الأسئلة في بكالوريا 2016…
بعد هذه المهزلة التي قضت على هيبة البكالوريا، لم يعد هناك بدّ من إعادة هذه الدورة لإنقاذ ماء الوجه.. ليس من المعقول أن تهوّن الوزيرة بن غبريط رمعون من هول المصيبة وتزعم أن “الامتحانات جرت في ظروف عادية؟!” برغم تسريب أسئلة العديد من المواد وحلّها في البيوت كما تُحلّ “الواجبات المنزلية”!
بكالوريا 2016 يجب أن تُعاد؛ فهي فضيحة كبرى لا يمكن التعاملُ معها فقط بالاكتفاء بفتح تحقيقات ومعاقبة مسرّبي الأسئلة، ثم الشروع بعد أيام في تصحيح أوراق الطلبة الممتحَنين وكأنّ شيئاً لم يكُن.. هذا ظلمٌ فادح للطلبة النجباء الذين قضوا سنواتٍ يكدّون ويجدّون استعداداً للنجاح في هذا الامتحان المصيري بمعدّلاتٍ عالية تتيح لهم مواصلة دراساتهم الجامعية والعليا في أرقى التخصّصات العلمية، ما ذنبُ هؤلاء المُجدّين حتى يجدوا أن قرناءهم الكسالى قد حصلوا بدورهم على معدّلاتٍ عالية في بكالوريا 2016 بعد أن حلوا أسئلتَها في بيوتهم وتساووا معهم في النتائج وزاحموهم في التخصّصات الراقية في الجامعة وربّما حرموهم منها؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
إذا لم نُعِد بكالوريا 2016، فنحن نكرّس الرداءة والضحالة وتردّي المستوى ونقضي على الجامعة تماماً فتستوي مع ابتدائية الستينيات، وسيتخرّج بعد سنوات أطباء وجرّاحون ومهندسون ودكاترة وإطاراتٌ في مختلف المواقع والتخصّصات، من الذين حصلوا على بكالوريا 2016 بالغشّ، فيكرّسون الرداءة بدورهم في شتى المستويات…
لذلك كله نرجو إعادة هذه البكالوريا، أو على الأقل المواد التي ثبُت تسريبُ أسئلتها، واتخاذ المزيد من الاحتياطات لمنع تكرار فضيحة التسريبات، فلعلّنا بذلك نستدرك الأمر، ونتجاوز الفضيحة، ونُعيد للبكالوريا بعض هيبتها ومصداقيتها.
أمرٌ آخر: أيّ أعصابٍ فولاذية تملكها الوزيرة بن غبريط رمعون بعد انفجار هذه الفضيحة المدوّية حتى تتشبّث بمنصبها وتعضّ عليه بالنواجِذ وترفض الاستقالة كما فعل الوزير علي بن محمد في 1992؟ أم أن الأقلية التي تختفي وراءها وتدعمها توحي لها بضرورة البقاء وإكمال “إصلاحاتها” إلى آخر محطّة وإن كان الثمن خراب المدرسة؟!