الرأي

أمانة آيت أحمد.. في أعناقنا

محمد سليم قلالة
  • 2919
  • 0

حب الجزائر، والحريات لشعبها.. لعلها أكبر أمانة تركها الراحل حسين آيت أحمد رحمه الله، في أعناقنا.

 رغم كلّ ما تعرّض له من سجن ومضايقات ومنع للنشاط السياسي، رغم أنه كان الأحق في أكثر من مُناسبة بأن يقود الجزائر إلى الانتصار الثاني بعد استعادة السيادة الوطنية، إلا أنه لم يحِد عن هذه الغاية السامية التي كرَّس كل حياته من أجلها بعد افتكاك الاستقلال من المستعمِر، على الجزائريين أن يستعيدوا باقي حرياتهم  السياسية والثقافية لكي يتمكنوا من التفضيل بين الخيارات المطروحة أمامهم ذات الصلة بمصيرهم ومصير بلدهم في مختلف الجوانب.

كان منظور حسين آيت أحمد واضحا من البداية، ربما لم نفهمه، ولكننا في آخر المطاف أدركنا أنه الأصح. بلادنا بعد استعادة استقلالها كانت في حاجة إلى بناء دولتها وفق أسس الحرية والديمقراطية والشرعية الشعبية، بعيدا عن القهر والاضطهاد أو استخدام القوة. في حاجةٍ إلى أن تعود مرة أخرى إلى الشعب صانع الثورة، بدل أن تُدفَع به باتجاه خدمة أشخاص أو زُمر أو مجموعات…

لم نُدرك بحق معنى الخلاف الذي كان يجري بين قادة الثورة ونحن أطفال غداة الاستقلال، مَا الذي ترك ثلاثة على الأقل من القادة التاريخيين ينسحبون من المسار السياسي آنذاك: محمد بوضياف، حسين آيت أحمد ومحمد خيضر رحمهم الله، فضلا عن الآخرين الذين هُمِّشوا أو أبعدوا أو أُنهيت حياتهم في ظروف غامضة. وعشنا طيلة السبعينات مُعلَّقين بأملٍ صنعه لنا الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بأن الجزائر سيحكمها أبناؤها الوطنيون، لن تحيد عن خطّها الثوري الذي رسمه شهداؤها، غير أن هذا الأمل ما فتئ أن بدأ يضمحلّ ونحن ندخل بِخُطى متسارعة وغامضة أزمة نهاية الثمانينات، ثم صراع التسعينات الدموي الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف.

وتقدّم آيت أحمد الصفوف ونحن في عز الأزمة، مدافعا عن الشرعية الشعبية، وواضعا اللبنات الأولى لأجل مصالحة حقيقية وطنية. وإن لم يتحقق له ما أراد، فإنه ترشح إلى الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 في محاولة كانت الأخيرة منه للاحتكام إلى الشعب.. إلا أنه تأكد أثناء العملية الانتخابية أن معادلة أولوية السياسي على العسكري لم يحن لها أن تُحل، فانسحب إلى غير رجعة هذه المرة، إلى منفاه الطوعي ضَامًّا بين أضلعه حب الجزائر وحالِما بعودة الحريات الحقيقية إلى شعبها…

وها هو اليوم ينتقل إلى جوار ربه، تاركا لنا أمانة في أعناقنا.. أن نحقق الحلم الذي من أجله عاش وناضل: حب الجزائر والحريات لشعبها. 

مقالات ذات صلة