-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
المدير العام علي عون في حوار لـ"الشروق":

أنقذنا الصّيدلية المركزية من الإفلاس

كريمة خلاص
  • 4932
  • 0
أنقذنا الصّيدلية المركزية من الإفلاس

تجسّد الصّيدلية المركزية للمستشفيات مفهوم الطب المجاني في الميدان، بالنظر إلى مهمتها الأساسية الخاصة، التي تكمن في تمويل كل المستشفيات العمومية والخاصة بالأدوية والمُعدَّات والمستلزمات الطبية، إذ تتعامل مع 1050 مؤسسة استشفائية، 750 مؤسّسة منها عمومية، بالإضافة إلى مؤسسات الصحة الأمنية.. وتوفر الصيدلية قائمة رسمية للدواء تضم 800 صنف دواء و500 مستلزم طبّي تقدر قيمتها بنحو 150 مليار دينار يضمن توفيرها 85 مموّنا أجنبيا ونحو 40 مموّنا محليا.
“الشروق” حاورت المدير العام علي عون الذي ضخّ في المؤسسة دماء جديدة واعتمد إستراتيجية ديناميكية في التسيير وتطرقت معه إلى أهم المستجدات وقضايا الساعة، لاسيما ندرة بعض الأدوية ومكانة الصناعة الوطنية في تموين السوق بالإضافة إلى التوجّه الجديد للصيدلية نحو التصنيع لأوّل مرة منذ إنشائها عام 1998.

يشتكي العديد من المرضى من نقص الدّواء في المؤسسات الاستشفائية ويضطرون أحيانا إلى خوض رحلة بحث شاقة أو شرائِه من السوق السوداء، ما هي الأسباب يا ترى بما أنّكم تؤكدون على التموين المستمر؟
الإشكال الذي نواجهه حاليا هو أنّ أغلب المستشفيات والمؤسسات الصّحية لا تضبط احتياجاتها بدقة وتوقعات برامجها السنوية وتطلب أزيد ممّا تحتاج، مثلا من يحتاج 100 وحدة يطلب 200 وحدة، وهذا خطأ وهو ما أنتج في بعض المستشفيات ظاهرة الأدوية منتهية الصلاحية، إذ بلغت نسبتها في سنوات سابقة 10 إلى 15 بالمائة من مخزون الصيدليات في المستشفيات بسبب سوء تقدير وتسيير من بعض المسؤولين، والأسوأ من ذلك عدم وجود تنسيق بين المستشفيات وأستشهد هنا بانتهاء صلاحية 583 قوقعة زرع للأذن بأحد المستشفيات في حين يشتكي أطباء وأساتذة ندرتها.

إذن مشكل ندرة الدواء تتعلق أولا بعدم تحكم المستشفيات في الاحتياجات وتوقعاتهم السنوية واستهلاك الأدوية بشكل مفرط والتبذير كي لا نقول أمرا آخر؟
– من أجل إيجاد حل للوضع عقدنا مؤخرا اجتماعات جهوية مع مديري الملحقات ومديري المستشفيات دامت يوما كاملا من اجل التنسيق والاتفاق على كيفيات الطلب، وتواصلنا مع مديري عديد المؤسسات الصحية والمستشفيات الجامعية من أجل التعريف بالسياسة الجديدة للصيدلية المركزية للمستشفيات، والجميع رحّب واستجاب خاصة وأن لكل منطقة خصوصيتها من حيث الأمراض المنتشرة والعلاجات المطلوبة.

منذ تعيينكم على رأس الصيدلية قمتم بتغييرات واسعة، هل لديكم مؤاخذاتٌ على طريقة التسيير السابقة وما هي؟


التنظيم الداخلي للصيدلية المركزية للمستشفيات لم يتغير منذ 20 عاما والغالبية لم تتأقلم مع المستجدات الحاصلة في السوق واحتياجات المستشفيات، لذا أوّلُ ما قمت به عند تعييني في المنصب هو فحص الوضعية العامة وتحديد نقاط القوة والضعف إذ أعمل على تعزيز نقاط القوة وتصحيح نقاط الضعف، فالصيدلية المركزية تمتلك نقاط قوّة عديدة تكمن في مخازنها واليد العاملة المكوَّنة والمؤهَّلة؛ آخر موظف يمتلك خبرة 10 سنوات خاصة في المخازن والتنظيم، فالدّواء له خصوصية في التعامل.
وما لاحظته أنّ بعض المسيرين بعيدون كل البعد عن أهداف المؤسسة لأنهم تعوّدوا على عدم المحاسبة فالانضباط والالتزام أساس التسيير، وما قمت به هو إعادة توزيع المناصب، بما ارتأينا أنه مناسبٌ لكل بروفيل والتغييرات مستمرة، فالمؤسسة يجب أن تكون حيّة وديناميكية لا مكان فيها إلا لمن يعمل ويجتهد.
واستطعنا اليوم بفضل هذه الإجراءات تحقيق الاستقرار في بعض المصالح أو المديريات ومنها الوسائل والنقل والمالية والمشتريات والمديرية التجارية، بالإضافة إلى المستخدَمين، وهي نفس الإجراءات المطبَّقة عبر كامل فروع الصيدليات عبر الوطن.

كيف وجدتم الوضعية العامة عند تولّيكم إدارة الصيدلية المركزية للمستشفيات؟
عندما استلمت المؤسسة وجدت المخازن شبه فارغة، أكثر من 60 بالمائة من الأدوية مفقودة وفي ندرة، لذا سعينا قدر الإمكان إلى القضاء عليها، إذ لا تتعدى اليوم 8 بالمئة ومع حلول آخر شهر أوت سنقضي على الندرة باستثناء بعض الأدوية التي تعرف ندرة أو ضغطا عالميا مثل مشتقات الدم “الهيموغلوبين” بسبب قلّة المتبرعين بالدم وهو ما جعل السعر يبلغ سقفا عاليا جدا، فبعد أن كان في حدود 25 أورو للغرام أصبح الآن بين 125- 130 أورو.
ومن بين الأمور المعطلة التي وقفت عليها هو عدم استغلال مناقصة منذ 7 أشهر إذ انطلقت في سبتمبر 2021 وعندما وصلتُ وجدتها غير مستغلة وكانت لا تزال في دراسة الطرح والعرض، وهو ما جعل المخازن فارغة والمستشفيات تواجه ندرة في الأدوية المهمة، والغريب أننا وجدنا بأن 80 بالمائة من العروض المشارِكة في المناقصة لا تستجيب للمواصفات ولا تطابق القانون.

وكيف تعاملتم مع الوضع؟
حرصت خلال أربعة الأشهر الماضية على تحسين الوضع قدر المستطاع والتأكيد بأن كل مبررات التهاون والتسويف لا أساس لها، إذ قضينا على الندرة التي لا تتجاوز حاليا 8 بالمائة وستؤول للزوال مع نهاية أوت وبداية سبتمبر المقبل بعد أن كانت تقارب 60 بالمائة، كما أطلقنا مناقصتين أساسيتين تم استغلالهما في ظرف قصير جدا، فالعملية المعتاد إنجازها في شهر ونصف تم القيام بها في يوم واحد.
مسألة أخرى وقفت عندها تتعلق بإخلال بعض الممونين بالتزاماتهم وعقودهم، إذ طبّقنا عليهم القانون وتعاملنا معهم بندّية وفق ما تمليه الإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات.. يجب على الممونين أن يدركوا جيدا بأن إخلالهم بالتزاماتهم سيعرّضهم إلى التخلي عنهم واستبدالهم بآخرين.. البعض منهم يبذل قصارى جهده للحصول على حصة من السوق في الجزائر وعند توقيع العقد يتماطل ويتباطأ، وهو ما اضطرّنا إلى توقيف بعض الممونين المتماطلين محليين وأجانب بلغ عددهم الأربعة في المجموع، فيما سيلقى اثنان آخران نفس المصير إذا لم يتداركا الوضع، وقد وجهنا إليهم ملاحظات في هذا الشأن.

ديون الصيدلية المركزية ناهزت 220 مليار دينار، كيف تم التعامل معها؟
الصّيدلية المركزية كانت على حافة الإفلاس وما قمنا به من إجراءات كان من أجل إنقاذها وضمان استمراريتها، فقد قاربت ديونها لدى المستشفيات 220 مليار دينار متراكمة منذ 2017، وهي الوضعية التي وجدت عليها الصيدلية عند تعييني في المنصب، ما دفعني إلى طلب تدخل الحكومة لتسويتها، خاصة وأنه لا يحق لنا أبدا تجميد طلبيات أي مستشفى وحرمان المرضى من الدواء. كانت هناك قطيعة بين الصيدلية المركزية للمستشفيات والمستشفيات وبعض الشركاء اليوم، ونحاول لمّ الشمل في قطاع الصحة.

قمتم بتقليص ميزانية التسيير إلى 5 بالمائة بعد أن كانت تقدر بـ15 بالمائة، لم؟
ميزانية الصيدلية تراجعت بسبب كوفيد19 بفعل تخصيص كل مخزون الصيدلية ومشترياتها لمستلزمات كوفيد19 وهذا خطأ كبير كان من الممكن اقتناء أدوية ذات مدة صلاحية طويلة الأمد، بدل عام ونصف مثلا تمدد إلى 3 سنوات ويبقى في المخازن، لكن على العموم رقم الأعمال لم يتأثر كثيرا فما أضاعته الصيدلية في الأدوية ربحته في المستلزمات الطبية دائما نفس رقم الأعمال المحقق، ومن المبرمج رفع الميزانية الإجمالية للعام المقبل 2023 بنسبة تتراوح بين 15و20 بالمائة، إذ ستنتقل من 150 مليار دينار، أي قرابة مليار و200 مليون أورو، إلى 180 مليار دينار، حصة السلك العمومي منها نحو 70 بالمائة والباقي موزع بين الخواص والأسلاك الأخرى.

أدوية السرطان مكلفة جدا، كم تستهلك من الميزانية العامة للصيدلية؟ وهل سيستفيد المرضى الجزائريون من الأدوية المبتكرة قريبا؟
تستهلك أدوية السرطان ومشتقات الدم تكلفة كبيرة من الصيدلية المركزية للمستشفيات وتستحوذ على ثلاثة أرباع الميزانية بنحو 75 بالمائة بالمائة المتبقية توزع على الأدوية الأخرى في مختلف التخصصات، غير أنها واجهت في المدة الأخيرة ندرة كبيرة، ما جعلنا نعقد اجتماعا خاصا أحصينا خلاله الاحتياجات الحقيقية للمستشفيات واعتمدنا سياسة تموين خاصة تركّز على مراكز مكافحة السرطان وكذا المصالح ذات النشاط الكبير، فلا يمكن أبدا إرضاء الجميع دفعة واحدة، ليس بسبب عدم وجود إمكانات مالية ولكن لعدم وجود وفرة في الأسواق العالمية، فالمخابر لا تؤمِّن الكميات دفعة واحدة، وعليه نحاول توفير الطلبات بشكل متتالي ودوري.. لقد حددنا الاحتياجات الاستعجالية ونعمل عليها خاصة العلاج الكيميائي والإشعاعي والأدوية التي تعمل ضد القيء وغيرها..
وطرحت الصيدلية في هذا السياق مناقصة وطنية ودولية لاقتناء أدوية الصيدلية وكذا أدوية السرطان والعلاجات المبتكرة في إطار البرتوكولات العلاجية التي أقرّتها وزارة الصحة، يجري الآن استغلالها ودراسة العروض المطروحة إذ استعجلنا فتح الأظرفة المعتاد إنجازها في شهر ونصف في يوم واحد وسيُعلن عن نتائجها بعد قرابة 20 يوما ويُكشف عن هوية الممونين المعتمَدين للصيدلية المركزية للمستشفيات لتوفير احتياجات 2023 وسيتم توفير الأدوية المبتكرة في علاج السرطان نحو 20 صنفا دوائيا نهاية أوت وبداية سبتمبر المقبل، كما ستساهم هذه المناقصة في التقليل من الندرة التي ستلامس نسبة ضئيلة جدا بعد القضاء عليها.

كيف تقيّمون مساهمة الصناعة الصيدلانية المحلية في تغطية الاحتياجات الدوائية في المستشفيات؟


لا يختلف اثنان على الدور الهام للصناعة الوطنية في ضمان السّيادة الصحية وتوفير الاحتياجات الأساسية الدوائية، ومن أجل تشجيع دور الصناعة الصيدلانية في تموين الصيدلية المركزية للمستشفيات قمنا بطرح مناقصة وطنية لأوّل مرة لصالح المصنِّعين المحليين الجزائريين من أجل تحديد قدراتهم في تموين الصيدلية المركزية والوقوف على الوزن الحقيقي للصناعة المحلية في تلبية احتياجات الصيدلية وكذا من أجل تشجيعهم على الظفر بفرصة حقيقية للتموين بعيدا عن منافسة المناقصة الدولية التي قد لا يستطيع البعض مجابهتها، وقد أطلقت المناقصة الوطنية في بداية جوان وتم استغلالها في بداية جويلية مع نهاية الشهر كانت لدينا القائمة، إذ شارك فيها 21 متعاملا وطنيا فقط من أصل 120 متعاملا صيدلانيا موجودا في الجزائر، وبلغ رقم الأعمال المحدد معهم 37 مليار دينار من مجموع 150 مليار دينار فالنسبة لا تتعدى 20 بالمائة.. وهي قليلة جدا ما يؤكد بأن المنتجين الذين تخلفوا يقومون بالتغليف لأننا نشترط في المترشحين للمناقصة الإنتاج من المواد الأولية، وعليه فإن هؤلاء يقومون بالاستيراد المموَّه.

الصيدلية ذات طابع صناعي وتجاري، غير أننا لا نرى أثرا للتصنيع منذ تأسيسها، فهل تنوون خوض التجربة قريبا؟
صحيح أنّ المؤسسة ذات طابع صناعي وتجاري، ومنذ إنشاؤُها في 1994 تم إهمال الجانب الصناعي للصيدلية، لذا سنهتم بهذا الجانب وسننشئ مشاريع جديدة تنتج الأدوية الأكثر استهلاكا في المستشفيات، وستكون البداية مع إنتاج الأمصال والخيط الجراحي سيُنتج لأول مرّة في الجزائر، إذ تم انجاز وإعداد الدراسات وتسعى الصيدلية للبحث عن مصادر تمويل وتم تحديد أيضا فرق العمل، فإذا نجحنا في إنتاج 20 بالمائة من احتياجاتنا سنوفر على الجزائر الكثير وهذه هي مجالات الاستثمار الواجب على الخواص الاهتمام بها.

وما هي مشاريع الصيدلية المستقبلية؟
قريبا سيتم فتح ملحقة تمنراست وقد تم إرسال فريق عمل للوقوف على الأوضاع بحضور الوالي، وسينتقل رئيس المشروع قريبا جدا مع 5 إطارات لمدة شهرين من أجل تكوين المستخدَمين وإطلاق الملحقة وفق إستراتيجية بعيدة عن التوظيف العشوائي وغير المدروس، فالدواء يحتاج إلى يد عاملة مؤهَّلة في التبريد والتخزين.
وتضاف هذه الملحقة إلى ملحقات أخرى في كل من عنابة ووهران وبشار وبسكرة والجزائر وسيدي موسى مقابل مشاريع أخرى مثل أدرار وورقلة والأغواط… تُعطى فيها الأولوية للملحقات البعيدة من أجل تقريب الدواء للمستشفيات، وهو ما سيسمح بامتصاص البطالة وتوفير مناصب عمل دائمة لشباب وسكان المنطقة، إذ ستمكن ملحقة تمنراست لوحدها من توفير 70 منصب عمل مباشر على الأقل.
ومن أجل توحيد التسيير عبر كافة الملحقات الجهوية عكفت الإدارة الجديدة على عقد اجتماعات تنسيقية صباح كل خميس على الساعة الـ7 صباحا عبر تقنية التحاضر عن بعد مع المديرين المركزيين ومديري الملحقات للحصول على المعلومة في نفس الوقت ومناقشة مواضيع مختلفة في كل مرة مثل الجودة والأمن في المؤسسات وفي كل اجتماع يحدد الموضوع المقبل، وقد عقد في ظرف أربعة أشهر نحو 22 اجتماعا تنسيقيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!