-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أيّ حكومةٍ ينتظرها الجزائريون؟

أيّ حكومةٍ ينتظرها الجزائريون؟

بإطلاق رئيس الجمهورية جولة جديدة من المشاورات مع الأحزاب المتوَّجة في تشريعيات 12 جوان، يطفو النقاش مجددا بشأن الحكومة القادمة، وتكثر التكهُّنات بخصوص تركيبتها وطبيعتها وسط تسريبات متضاربة، وفي أغلب الأحيان إشاعات مضللة، وقد تكون بغرض جس النبض الخارجي.

وبعيدًا عن الحق الدستوري للرئيس تبون في اختيار الطاقم الوزاري، خاصة بعد ما وضعته نتائج الاستحقاق البرلماني في أريحية من أمره، واتّضحت مسارعة الأغلبية إلى كسب الرضا الرئاسي والسعي الحثيث لدخول مبنى الدكتور سعدان، فإنّ وضع الجزائر على كافة المستويات يقتضي التفكير عميقًا في تشكيل الحكومة الجديدة، كما ينبغي الاستفادة من تجربة الخيارات السابقة، في إطار تقييم موضوعي والبناء عليه في تصحيح المسارات.

ما ينبغي التأكيدُ عليه هو أن الجزائر فعلاً بحاجة إلى مسار مزدوج، يجمع بين ضرورات استيعاب الحالة السياسية الناجمة عن حَراك 22 فبراير 2019 بكل تداعياتها، وبين الاستجابة العمومية المُلحّة والمستعجلة لمطالب المواطنين، والتي أخذت في التنامي منذ سنوات، بفعل تراجع موارد خزينة الدولة، إثر تراجع أسعار النفط في السوق الدولية.

لكن نقطة القوّة الجوهرية في مواجهة تلك التحديات هي أن بلادنا تتمتع اليوم بمؤسسات منتخَبة مهما كانت عيوبُها، وعلى هرمها رئاسة الجمهورية والبرلمان، ما يمنحها القدرة على استئناف الإصلاحات المطلوبة لتصويب الأخطاء واستدراك النقائص، وهذا ما يستوجب من العقلاء الالتفاف حولها وإسنادها ومرافقتها في عملية التغيير الحقيقي، مع ضمان الحقِّ الكامل في نقدها البنَّاء ومراجعتها إذا اقتضى الحال، وفق اعتبارات المصلحة الوطنية العليا.

لذلك نرى أنّ الأسلم هو ترك الملف السياسي المتعلق بآثار الحَراك، وكل ما يمكن أن ينبثق من تصورات لاحتوائها، من قبيل حوار وطني أو مباحثات حزبيّة أو مشاورات وطنيّة وغيرها من الآليات، ترْكُها محلّ متابعة مباشرة على مستوى رئاسة الجمهورية باعتبارها أعلى سلطة تنفيذية، بينما تتفرّغ الحكومة كليّة لتنفيذ أجندة الإصلاحات الاقتصادية والماليّة والإدارية، لتجسيد برنامج الإنعاش على أرض الواقع.

لقد جرّب الرئيس طيلة 18 شهرًا من عهدته العديد من الخيارات في تعيين الطاقم الوزاري، وغلبت عليها لظروف موضوعية الشخصياتُ التكنوقراطية المستقلّة والأكاديميّة وذات الصدى الإعلامي، غير أنّه لم يكن في النهاية راضيًا عن أدائها في العموم، بدليل اضطراره إلى ثلاث حكومات في ظرفٍ وجيز (سنة واحدة)، وهو ما يقتضي اليوم إعادة النظر في معايير تقليد الوزارة، بناء على عامل الخبرة الفعليّة في الإدارة العامّة، ولا يمكن للشهرة الإعلامية وحدها أو المحاصصة بكل ألوانها أن تكونا مُؤهَّلتيْن لعضويّة الحكومة، لأنّ الواقع يختلف عن النظريات والحسابات السياسيّة.

كما أن الرئيس تبون جدَّد التزامه يوم الاقتراع باحترام قواعد الديمقراطية بخصوص تشكيل الحكومة وفق نتائج الإرادة الشعبية البرلمانيّة، وإن لم تفرض الأخيرة حكومة حزبيّة خالصة، فإنّ المنطق السياسي يقتضي أخذ نتائج الانتخابات بعين الاعتبار في تشكيلها وفق التمثيل النسبي للكتل النيابية، وإذا كان الأمر غير ملزِم دستوريّا للرئيس فهو من شروط النجاح في المرحلة المقبلة.

إنّ تطبيق إصلاحات قويّة يتطلب التجنّد الوطني، بإشراك كافة القوى السياسية ذات التمثيل الشعبي، لتوفير حزام سياسي للحكومة، حتى تتمكن من تفعيل الأداء العام ومواجهة المقاومة المتوقعة من كافة الأطراف المتضرِّرة، عوض أن تكون معركة الإصلاح المصيريّة في أفق الجزائر استحقاقا رئاسيّا، بينما تختار “الأحزاب البرلمانيّة” موقع المتفرِّج لتسجيل النقاط على حساب هموم المواطن والوطن.

لكنَّ إشراك الأحزاب في الجهاز التمثيلي لا يعني أبدا أن يتحول إلى فريق سياسي يتقاسم الحقائب وفق منطق الغنيمة دون مؤهِّلات للمنصب التنفيذي، بل تبقى الكفاءة الفنيّة شرطًا رئيسا في التكليف الحكوميّ، ما يفرض على الأحزاب المُشاركة أيضًا أن ترشّح إطاراتها الكفؤة ذات الرصيد النضالي والقيادي الثقيل، بدل تخصيص حاشية الولاء بالوزارة، لأنّ ذلك سيكون مُعرقلاً للدولة وخادشًا في النهاية بصورتها الحزبيّة العامّة.

يبقى الآن الخيارُ الأمثل بين يدي رئيس الجمهورية والأحزاب الكبرى لتقرير مصير الحكومة المرتقبة، ما يقتضي من الأول تقدير حساسيّة المرحلة ورهاناتها الوطنية في كل المجالات، وما يستوجبه ذلك من توسيع لقاعدة الحكومة، كما يتطلب من الثانية التحلّي بروح المسؤولية لتسهيل المَهمَّة، شريطة أن ينبني الأمر كله وفق رؤية إصلاحية مشتركة وبرنامج عمل متوافق عليه وبسواعد وزاريّة مؤهَّـلة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • جزائري القرن 21

    أيّ حكومةٍ ينتظرها الجزائريون؟ ... لا تههمهم نوعية الحكومة المقبلة بما أنها سوف تكون أسوء من السابقة التي بدورها كانت أحسن من سابقتها ..... بما أننا في بلد تزيد جراحه سوءا من يوم لاخر فعامه الحالي أفضل من العام الماضي الذي بدوره أفضل من سابقه .... الخ ف2021 سوف يكون لا محال أفضل من 2022 الذي بدوره سوف يكون أفضل من 2023.... وهكذا .

  • avancer lalour

    مثل هذه المقالات التي تحدثنا : عن الاصلاحات والمشاورات واشراك الطبقة السياسية والمجتمع المدني واستدراك النقائص ....... تطل علينا منذ عشرات السنين قبل وبعد كل استحقاق نتخابي أي أثناء الحملة الانتخابية ويوم تقاسم الحقائب والمناصب ... والنتيجة avancer lalour

  • لزهر

    نريد جكومة تعمل على مشروع واحد فقط على المدى البعيد دون خلط الأوراق وهو الإنتقال الطاقوي و إستعماله في الزراعة لأنه المخرج الوحيد من أزمة البترول.