-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أيّ منظومة تربوية نتبنّى؟

بقلم: د. عبد الرحمان عمار
  • 261
  • 0
أيّ منظومة تربوية نتبنّى؟

لا شك أنّ التعليم بمختلف أطواره، يعدّ عماد البلد واللبنة التي يرتكز عليها بالأساس، فالمجتمعات البشرية تتطوّر بفضل التعليم وما يضفيه من نكهة في بروز الكوادر والكفاءات العلمية، التي من شأنها دعم البلاد بالأفكار والمساهمة في تنميتها على مختلف الأصعدة. فضلا عن أنّ العلم هو غذاء العقل، فهو أيضا المرتكز الأساسي لبناء الذات الإنسانية خاصة في المراحل الحياتية الأولى للإنسان.
غالبا ما يقرن التطوّر بالمستوى التعليمي، بما أنّه في المحصّلة ترتكز عليه الأمم لبلوغ غاياتها وأهدافها الاقتصادية والتنموية بشكل عامّ، والأكيد أنّ ذلك لا يتأتّى إلّا من خلال الاعتماد على منظومة تربوية هادفة تتميّز بجودة التعليم، التي تستند إلى العديد من العناصر، منها ملاءمة المناهج وبيئة التعليم ومعايير التعلّم وأداء التلاميذ واحترافية المعلّم (جودة أدائه).
عشية الدخول المدرسي ببلادنا، يعود النقاش مجدّدا حول المنظومة التربوية والمناهج المعتمدة فيها ليطفو على السطح، فقد شهدت المنظومة التربوية خلال العقود القليلة الماضية انتقاداتٍ كثيرة من لدن أكثر من طرف فاعل في القطاع، ولعلّ أوّلها المعلم، الّذي انتقد على الدوام المنهاج المتّبع في التعليم في الأطوار الدنيا ببلادنا. ولعلّ تدنّي النتائج العلمية والمستوى العلمي لتلاميذنا هو خير دليل على فشل المنظومة الوطنية، التي لا زالت ترتكز على مناهج دول غير مصنَّفة في المراكز الأولى عالميا، ومنها فرنسا التي تراجعت منظومتها التربوية بشكل كبير خلال العقود الماضية ومع ذلك لا زلنا نعتمد على البناء التربوي الفرنسي في منهاجنا التربوي الوطني.
يدرك العامُّ والخاص من المهتمين بالشأن التربوي الوطني، بأنّ العالم قد تغيّر وكذا المنظومة التربوية بشكل عامّ، والبلدان التي كانت تتسيّد العالم في هذا المجال لم يعد لها تأثيرٌ بارز بحسب التصنيف العالمي، الذي يرتكز على عدّة عناصر تشكّل المعيار الحقيقي لتصنيف الأمم تربويا، وقد أفضت آخر التصنيفات العالمية لأفضل الدول في المجال التعليمي لعام 2024م، إلى بروز الدول الأسكندنافية والأسيوية بشكل خاص، ففنلندا احتلت المركز الأوّل متبوعة بسنغافورة ثمّ كوريا الجنوبية في المركز الثالث، لتأتي بعدها تباعا كل من : كندا وهولندا والسويد وألمانيا واستراليا والمملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية.
إنّ هذا التصنيف لم ينبع من العدم، بل قوامه تركيز الدول مثل فنلندا على سبيل الذكر لا الحصر، على التلميذ الذي توليه المنظومة التربوية بفنلندا الاهتمام الأكبر ف ضلا على اهتمامها بالمعلّم، الذي يعدّ الحلقة الأبرز في المنظومة التربوية بشكل عامّ، و هو النسق التربوي ذاته الذي تعتمده سنغافورة وكوريا الجنوبية، فالعنصر البشري هو أساس العملية التربوية.

 الجزائر تزخر بنِسب كبيرة جدا من المتمدرسين، ومع ذلك لا زلنا بحاجة إلى إعادة النظر في بناء المشهد التربوي الوطني، فكثافة المواد والمنهج المبهم “الجيل الثاني من الإصلاحات” المتّبع، دفعا بالمستوى التعليمي بالبلاد بشكل عامّ إلى الحضيض، وما زاد الطين بلّة هو استقالة السواد الأعظم من المعلمين من مهامهم البيداغوجية لصالح العمل خارج المؤسسات التربوية، أو ما اصطلح على تسميته بـ”الدروس التدعيمية”، التي أثقلت كاهل المواطنين.

إنّ الجزائر تزخر بنِسب كبيرة جدا من المتمدرسين، ومع ذلك لا زلنا بحاجة إلى إعادة النظر في بناء المشهد التربوي الوطني، فكثافة المواد والمنهج المبهم “الجيل الثاني من الإصلاحات” المتّبع، دفعا بالمستوى التعليمي بالبلاد بشكل عامّ إلى الحضيض، وما زاد الطين بلّة هو استقالة السواد الأعظم من المعلمين من مهامهم البيداغوجية لصالح العمل خارج المؤسسات التربوية، أو ما اصطلح على تسميته بـ”الدروس التدعيمية”، التي أثقلت كاهل المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، والعجيب في الأمر أنّ المسألة لم تتوقف عند حد الطورين الثاني والثالث (المتوسط والثانوي) بل شملت الطور الأول (الابتدائي) في سابقة غريبة ببلادنا.

تطوير مهارات التفكير النقدي.. الرؤية المستقبلية
إنّ عددا من بلدان العالم الرائدة في المجال التربوي، بنت استراتيجياتها التعليمية على تطوير المهارات التفكيرية النقدية للتلميذ، بغرض تهيئته للاعتماد على نفسه في إيجاد الحلول والبحث في أمهات المشاكل التي تعترضه، وتعتبر سنغافورة إحدى أهم الدول التي تعتمد على هذا النظام التعليمي بالتركيز على مواد مثل الرياضيات والعلوم والتكنولوجيات الحديثة، من دون إهمال التاريخ واللغة، ولعلّ هذه المنظومة هي الأقرب و الأصوب لبلدنا من أجل دفعها لبلوغ أسمى الغايات التي تتطلع إليها، فالحركية العلمية في العالم في تطوّر مستمر، ونحن بحاجة لولوج هذا العالم دون التخلي عن مقوّمات حضارتنا بالاعتماد على مادتي التاريخ واللغة والدين.

تقليل ساعات الدراسة وتعزيز الأنشطة اللامنهجية
تعتمد جلّ الدول الرائدة في المجال التربوي، على الجوانب الترفيهية المصاحبة للعملية التعليمية، فخلافا لمنهجنا التربوي في الجزائر والذي يعتمد على الكثافة في المواد وغزارة المعلومة والدعوة للحفظ عن ظهر قلب، فإنّ دولا مثل سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية واليابان والسويد، تعتمد بالأساس على تقليل ساعات الدراسة والبحث عن سعادة التلميذ من خلال برمجة حصص ترفيهية رياضية أو موسيقية أو المطالعة والرسم أو غيرها، من أجل إنماء فكره ودفعه للتفكير النقدي بشكل أوسع، وهو ما يتيح له فرصة التمعّن والفهم السريع، كما لا يخفى على أحد ببلادنا، أنّ بتر العملية الاتصالية كان من بين أسباب تدني المستوى التعليمي، فالتلميذ مجبَر على الحفظ بشكل أوتوماتيكي ( آلي) من خلال اعتماده على الوضعيات الإدماجية، التي يقوم بحفظها عن ظهر قلب وإعادة كتابتها كما هي، من دون أن تكون له بصمة في ذلك، خلافا لما كانت عليه المنظومة التربوية في السابق ببلادنا، إذ كانت تعتمد على المحادثة من أجل تنمية اللغة والتواصل والتفكير لدى التلميذ.

تعزيز محو الأمية الرقمية
تماشيا مع روح العصر، يتعيّن على القائمين على المنظومة الوطنية، التركيز على التكنولوجيات الحديثة، بغرض تعزيز محو الأمية الرقمية، فالتلميذ بحاجة إلى ولوج العالم الرقمي، لكي لا يتخلّف عن الركب الحضاري، وكذا الحال بالنسبة للمعلم، المطالب هو الآخر بولوج العالم الرقمي، فالتركيز على التكنولوجيات الحديثة هو دافع أساسي لبناء إطار المستقبل، الذي يكون محصَّنا بكل ما يحتاجه للمساهمة في التنمية المستدامة بالبلاد، والتكوين القاعدي هو النبراس وهو الأساس لبلوغ هذه الغاية، والأمر في هذا المقام لا يتعلّق بالأدوات فحسب بل بالمناهج أيضا (مناهج التكنولوجيات الحديثة) وفهم البرمجيات وغيرها من النظم التي تتحكم بعالم (النت) بشكل خاص.
هي مجموعة من الأفكار كان لزاما علّي تقديمها للقارئ الكريم، بغرض التنبيه للمخاطر العلمية المحدقة بمنظومتنا التربوية وكيفيات معالجتها، بالاعتماد على نظم تربوية رائدة في العالم من جهة والعودة للنظام الكلاسيكي، الذي كانت تتميّز به المدرسة الجزائرية من جهة أخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!