أي تاريخ ندرس؟
من نحن؟ هذا هو السؤال الذي تحتضنه وتجيب عنه عناصر الهوية الوطنية بجملتها: الدين واللغة والتاريخ.
وأي هدم أو انتقاص أو تزييف لعنصر منها، يعني نقض هذه الهوية، والزج بها في صراع قد يساهم في تفكيك عرى الوحدة الوطنية، ويُلقي بها في غياهب المجهول، إنه تحدي حقيقي يستهدف وحدتنا وتاريخنا.
استصحب الاستعمار الفرنسي كل أدوات التشويه التي تمكّنه من إعادة رسم الخارطة التاريخية والحضارية للجزائر، فتعرّض التاريخ كما الدين واللغة العربية لأبشع عمليات التشويه والإنكار في هذه الفترة، وعملت البعثات التبشيرية وتلك التي تُعنى بمباحث التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، إلى جانب النظام التعليمي الذي أقامه الاستعمار، على صياغة منظور جديد لتاريخ الجزائر يصبّ في مصلحة المستعمِر، ويعمل على تقويض البنية الحضارية والفكرية وحتى النفسية للجزائريين، الذين سيكتشفون بوحي هذه الرؤية أنهم ليسوا هم كما يعتقدون؛ مسلمين يتحدّثون العربية إلى جانب اللهجات المحلية التي ظلت راسخة في مَواطنها، بل هم جنسٌ مختلف تماما، حتى أقدم من التاريخ نفسه، بتعبير أحد عرَّابي الاستعمار.
في هذا السياق، ارتكز المشروع الاستعماري في مقاربته التاريخية وفي مختلف المستويات على ما يساهم في:
– إبراز التاريخ القديم للجزائر، بوصفه الناطق الحقيقي باسم هويّة سكّان الجزائر.
– تسويق بعض المظاهر المسيحية التي عرفتها الجزائر، بعرضها في صورة تاريخ جزائري لا يقلّ أهمّية عما عرفته الجزائر عقب الفتح الإسلامي.
– تفعيل نشاط التنقيب الأثري، خاصة ما يعود منه إلى الفترة الرومانية والبيزنطية، لإعطاء الانطباع بأن الجزائر لم تكن يوما سوى محمية رومانية.
– تصوير الفتح الإسلامي، باعتباره “غزوا أجنبيا قضى على الخصوصية الهوياتية للسكان الأصليين”.
– محاولة التمييز بين الجزائريين على أساس عرقي عربي – بربري، مع إذكاء النزعة التصادمية بين السكان.
هنا تحضر المخططات التي رسمها لافيجري ومن معه، ممن حاولوا إقناع فئة من الجزائريين بأنهم ليسوا عربا، وإن العرب مجرّد غزاة جاؤوا بالإسلام والعربية والاحتلال، وستكون ردة الفعل –إن نجح المخطط- هي رفض “الغازي” وما جاء به.
لماذا يراد للسَّردية التاريخية الاستعمارية، أن تتحكّم في تقييم ماضينا، وهي سردية تمجِّد الاحتلال الروماني والغزو الواندالي والنورماني، مقابل التشكيك في الوجود العثماني في الجزائر الذي شكّل مع القوة الجزائرية، ميزان قوة وأداة ردع للقوى الاستعمارية النامية، القادمة من شمال البحر الأبيض المتوسط؟
كان مشروعا خبيثا، أشار إلى حيثياته وتفاصيله المؤرخ الفرنشي “ر. أجيرون” في كتاباته، وكشفت عنه مراسلات قادة الاستعمار أنفسهم، ولا يزال الأرشيف الفرنسي يحتفظ بالكثير من أسرار هذه الخبائث.
فماذا عن التاريخ في المدرسة الجزائرية المستقلة؟
لكل نظام تربوي فلسفته الخاصة، المستمدة من المقومات الحضارية للمجتمع، ما يعني استحالة فصل التاريخ عن الأيديولوجيا وما هو سياسي، وبالنتيجة لا يتسنَّى الحديث عن تاريخ مجرّد، يتناوله التلميذ بوصفه أحداثا مستقلة ومجرَّدة، وذات طابع موضوعي.
في الأطوار التعليمية الثلاثة، ثمة مسعى لتحقيق ثلاثة أهداف لدى المتعلم، أساسها مناهج التاريخ وما يتعلق بها من كتب مدرسية، يفترض أن تساهم في إكسابه حاسة تاريخية تمكّنه من:
– تعميق الشعور بالانتماء للشعب الجزائري في نفوس الأطفال، وتنشئتهم على حب الجزائر وروح الاعتزاز بالانتماء إليها، وكذا تعلقهم بالوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني ورموز الأمة، كما تنصّ على ذلك الوثائق التربوية.
– تقوية الوعي الفردي والجماعي بالهوية التاريخية للإنسان الجزائري، بعيدا عن التفضيلات العرقية والجهوية.
– (ترسيخ قيم ثورة أول نوفمبر 1954 ومبادئها النبيلة لدى الأجيال الصاعدة والمساهمة من خلال التاريخ الوطني في تخليد صورة الأمة الجزائرية بتقوية تعلق هذه الأجيال بالقيم التي يجسدها تراث بلادنا، التاريخي والجغرافي والديني والثقافي). (من القانون التوجيهي للتربية الوطنية- المادة الأولى).
وبغضّ النظر عن المقاربة البيداغوجية التي يُعرَض بها التاريخ في المناهج المدرسية (الانتقال من التلقين إلى بناء الكفاءات)، فإن أخطر الهواجس التي تثيرها هذه المناهج هي تعريضها للمزايدات السياسية، تلك التي أفضت إلى تكريس التعددية اللغوية بخلفيةٍ لا تخفى عن أحد، وقد يأتي الدور على التاريخ نفسه، عندما يصار إلى المطالبة بإعادة كتابته، بدعوى أن لنا تاريخا غير الذي تروِّج له الكتب والمناهج المدرسية.
تكمن في هذا السياق إثارة قضية إعادة تسمية المدن والمواقع (الطوبونيمية)، التي حملها معجمٌ صادر عن المجلس الأعلى للغة العربية في 2021، الذي يشكِّك في الأسماء المتداوَلة ويثير اللغط حولها، وقد يكون مقدِّمة للتشكيك في كل شيء له علاقة بالتاريخ، فالأسماء التي ورثناها وألفناها لم تعد صحيحة بتقدير المعجم، فـ”عين” أضحت “إين”!
إن إشاعة مصطلح “الغزو العربي”، يعني بكلمة واحدة، التنكّر للفتح الإسلامي –مع ما قد يخامره من ممارسات قد تناقض قيم الدين نفسه على محدوديتها- لتتم المماثلة بين الغزو الفرنسي الاستعماري والفتح الإسلامي الذي حررنا من الوثنية والجبروت البيزنطي، ومنحنا هوية إنسانية، هي أزكى ما يمكن أن يبلغه الإنسان في معتقده الديني والإنساني.
لماذا يراد للتاريخ القديم أن يكون العنوان البارز في مسار تاريخنا كله، ويصار إلى إبرازه على نحو لافت، وتحظى شخصياتُه بالتمجيد المبالغ فيه، مقابل إنكار شخصيات وأبطال صنعوا تاريخنا على امتداد قرون من التاريخ الإسلامي المديد؟
لماذا يراد للسَّردية التاريخية الاستعمارية، أن تتحكّم في تقييم ماضينا، وهي سردية تمجِّد الاحتلال الروماني والغزو الواندالي والنورماني، مقابل التشكيك في الوجود العثماني في الجزائر الذي شكّل مع القوة الجزائرية، ميزان قوة وأداة ردع للقوى الاستعمارية النامية، القادمة من شمال البحر الأبيض المتوسط؟
بل يسري التشكيك الذي يبلغ حدَّ الطعن، أن توصف ثورة الأمير عبد القادر بخاتمتها فقط، في تجاوز واضح لأطوارها العملاقة، وأن يوضع الرجل البطل في مقام المستسلم لا المهاجر. (حوار مع حفيدة الأمير عبد القادر. الخبر 6 نوفمبر 2000).
لا تتسنَّى كتابة التاريخ مناصفة بين الجلاد والضحية، إلا بتنازل أحدهما عما يراه إرثا تاريخيا يعتزُّ به ويمجِّده، كما لا يمكن الركون إلى حسن نية الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي يشكّك في وجودنا كأمة لها ذاتيتها التاريخية والحضارية الخاصة بها، لنقبل كتابة التاريخ معا.
في سياق هذه التحفظات أثير السؤال الكبير: أي تاريخ نكتب لأبنائنا وأحفادنا، إذا كنا لا نملك الشجاعة الأدبية لعرض أحداث ثورة التحرير كما هي، من دون تجميل مصطنع أو تحريف أو إخفاء؟ وماذا عن تاريخ ما بعد إعلان الاستقلال: ما حدث في جوان 1965 وبعيد الاستقلال مباشرة، وأحداث أكتوبر 1988، ووقائع المأساة الوطنية؟ أين نضع هذا كله؟ وماذا سنقول لتلاميذنا، ليقفوا على تاريخ بلادهم كما هو، لا كما يراد له أن يكون؟
التاريخ في المدرسة ليس نقاشا فكريا، إنه الحقائق التي تنأى عن أي تزييف أو تلاعب، فالتلميذ يتلقى ما يراه حقيقة تاريخية، من دون أن تثار لديه الشكوك في ما يقال له، فهذا تاريخه ولن يكون أفكارا مكيَّفة على مقاس أهواء بعينها نعرضها عليه، ونطلب منه تصديقها.