الندوة الثانية للمنبر القاسمي بزاوية الهامل بالمسيلة
إجماع على إعادة إحياء القيم الوطنية في البرامج التربوية
اختتمت أمس الأول الندوة الثانية بالمنبر القاسمي التي احتضنتها الزاوية القاسمية ببلدية “الهامل” ببوسعادة والتي خصصت لمناقشة دور المجاهدين في تثبيت دعائم الاستقلال والقيم الوطنية لدى أبناء الجيل الحالي.
-
الندوة كانت فرصة للتأكيد على أهمية الثوابت الدينية للمجتمع الجزائري كجزء لا يتجزأ من عناصر الهوية الوطنية، وهو ما ركز عليه كل المتدخلين كل من موقعه، مجاهدون وإعلاميون وفقهاء أجمعوا كلهم على ضرورة مراجعة العديد من الأمور حتى يبقى أبناء الجيل الحالي متشبثين ومتشبعين بقيم ثورة أول نوفمبر المجيدة، وفي مقدمة ذلك مراجعات المنظومة التربوية التي تتطلب صياغة برامج تسير وفق هذا المسار.
-
وتطرق شيخ زاوية الهامل الحاج “محمد المأمون القاسمي” إلى وحشية الاستعمار الفرنسي وما قام به ضد الشعب الجزائري، وإلى دور الزوايا في دعم الجهاد وترسيخ مبادئه لدى كل فئات المجتمع وطلبة العلوم الشرعية الذين انبروا هم أيضا للدفاع عن الجزائر، كما ذكر الشيخ أن طلائع المجاهدين كانت من طلبة الزوايا، وأن بناء الأمة لن يستكمل إلا بتنشئة أبنائنا على عقيدتنا، طارحا في نهاية مداخلته مجموعة من الأسئلة للنقاش أبرزها: كيف يكمن لجيل نوفمبر أن يوقظ الحس الوطني لدى أبنائنا؟ وما هو دور المؤسسة التربوية في ذلك؟
-
ليفتح بعدها المجال لنقاش طويل عريض أداره وباقتدار الأستاذ الهادي الحسني، نقاش حرص الزاوية القاسمية من خلاله على تحقيق هدف قد يكون أسمى من موضوع الندوة في حد ذاتها وهو إرساء لغة الحوار والنقد البناء بعيدا عن التطرف والإقصاء والمغالاة، والاستماع إلى كل الآراء لإيجاد حلول لمشاكل الأمة بمساهمة الجميع ومن شتى المواقع، فتحول النقاش إلى عملية تشخيص لداء الأمة في كل المجالات، وهو ما عد مكسبا مهما للندوة، الشيء الذي يؤكد أن الزاوية القاسمية قد باتت منبرا ممتازا للحوار البناء.
-
وكرمت الزاوية القاسمية في نهاية الندوة ثلة من المجاهدين الأفذاذ وأهالي بعض الشهداء بمن فيهم أمين عام المنظمة الوطنية للمجاهدين “سعيد عبادو” وكرم أيضا نجلا العقيدين الشهيدين “الحواس” و”عميروش” وكرم أيضا العقيد محمد شعباني ممثلا في شقيقه عبد الرحمان في جو مهيب.
-
-
سعيد عبادو:
-
“الزوايا مشتلة حقيقية للوطنية”
-
-
لدى تدخله في الندوة شدد الأمين العام لمنظمة المجاهدين سعيد عبادو على أهمية دور الزوايا في ترسيخ الثوابت الوطنية والتصدي لمحاولات الاستعمار الرامية إلى تجريد شعبنا من عناصر هويته، والتي تحطمت على أسوار الزوايا، معددا أدوارها عبر حقب زمنية مختلفة، وعلى رأسها إشادة الجامعات في كل من المغرب وتونس بما جاد به أعلام الزوايا وخريجوها، كما تطرق إلى دور الزوايا النضالي الكبير، مستدلا بالثورات التي كان طابعها دينيا كمقاومة الأمير عبد القادر، واصفا الزوايا وجمعية العلماء والكشافة الإسلامية بالمشاتل الحقيقية التي ضخت الكثير من الرجال المخلصين في خزان الثورة، بدليل أن الرعيل الأول من المجاهدين كان من قطاف تلك المشاتل.
-
وعن كتابة التاريخ ذكر الأمين العام أنه يتوجب على الكتّاب الذهاب إلى جبال الزعفرانية والأوراس من أجل كتابة التاريخ حتى يعيشوا أجواء الثورة، وأن المنظمة قد أعطت تعليمات للمجاهدين بكتابة مذكرات جماعية عن الثورة والابتعاد عن تلك الفردية التي لن تخدمنا كثيرا، معاتبا في هذا الإطار بعض الكتابات التي تناولت آراء من جانب واحد، ودعا أيضا إلى عقد ندوات تتناول المأساة الوطنية بعقلانية وموضوعية. وعن كتابة التاريخ يرى عبادو أنها شيء ضروري ولكن لا يقع على عاتق المجاهد وحده، فالمجاهد لا يكتب التاريخ وإنما يدلي بشهادته، كما أن الأمية التي كانت متفشية في أوساط المجاهدين إبان الثورة حالت دون كتابة هذا التاريخ، إضافة إلى استحالة الكشف عن جزء من هذا التاريخ في وقت سابق نظرا لأنه ينطوي على أسرار كبيرة للثورة التحررية، متسائلا عن الطرق البيداغوجية التي لها أن تصحح بعض المفاهيم، وأن علاج الوضع التربوي لن يكون شيئا هينا، وأنه لا بد من تظافر جهود المجاهدين والأساتذة من أجل إيصال رسالة المجاهدين والثورة إلى أبناء الجيل الحالي.
-
واختتم حديثه باستعراض مجهودات منظمة المجاهدين في تغيير أسماء الشوارع المسماة بأسماء فرنسية.
-
-
محمد الهادي حسني:
-
“نحن نعاني من الظمأ التاريخي”
-
-
شدد الأستاذ محمد الهادي حسني في مداخلته على مشكل عدم كتابة التاريخ الذي أوصلنا إلى ما أسماه بالظمأ التاريخي، وأنه لا بد من الإتيان بهمة أول نوفمبر حتى نحقق النجاح للأمة، والتي تخلينا عن بعضها رغم أنها كانت سبب نجاحاتنا كلها، كما أن فرنسا لم تتقبل نكساتها في الجزائر لأنها كانت تحت شعار “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، فنحن نصنع التاريخ دون أن نكتبه، وبإمكاننا ذلك رغم وجود من يعارض التأريخ، وأيد مراجعة بعض النظم البيداغوجية.
-
كما تطرق إلى قضية تسمية الشوارع والأحياء على أسامي فرنسية على غرار شارع لافيجري بوهران ودعا إلى تغييرها كلية بأسماء شهداء مجاهدين، وتعرض إلى إهمال بعض القيم الإسلامية في الوقت الراهن والتي كانت واحدة من المرجعيات الثورية، داعيا في الوقت نفسه الأسرة الثورية إلى التدخل في ذات الإطار نظرا لقربها وتأثيرها على صناع القرار في الجزائر من أجل إيصال قيم أول نوفمبر وتضحيات الأجداد إلى الجيل الحالي.
-
-
يوسف الخطيب:
-
“شهادات المجاهدين بنك معلومات ينتظر الاستغلال”
-
-
أما العقيد يوسف الخطيب أو “سي حسان” كما يحلو لرفقاء السلاح أن ينادوه، فقد أكد في كلمته على ضرورة وأهمية كتابة التاريخ الجزائري في شقه المتعلق بالحركة الوطنية، رغم عدم وجود أرشيف بحوزة الفرنسيين، وقال”صحيح أننا لا نملك أرشيفا عن ثورتنا ولكن لدينا مناضلين يمكن تسجيل شهاداتهم والتي ستكون بمثابة بنك معلومات، ما دام أنهم على قيد الحياة،و هي الشهادات التي يمكن للباحثين أن يعتمدوا عليها عند كتابتهم لتاريخ الثورة.
-
وشدد على أهمية النقد والرقابة حتى نسير بالأمة نحو الأفضل أسوة بما كان معمولا به في الثورة على غرار ما حصل في مؤتمر الصومام الذي يرى العقيد أنه خزان لا ينضب من القيم الوطنية الأصيلة التي يمكن استلهامها منه.
-
-
محمد الطاهر آيت علجت:
-
“التمسك بالدين كان أساس نجاحاتنا”
-
-
الرجوع إلى الدين يبقى من وجهة نظر الفقيه محمد الطاهر آيت علجت ضرورة لا مفر منها، والسبب حسبه يعود إلى أن كل نجاحات الشعب الجزائري كان الدين أساسا لها، وأن الدين أنقذنا عندما كنا في أحلك الأحوال، فالإسلام وحّد بين الجزائريين وكان المرجعية الأولى لدى الزوايا والهيئات والجمعيات والثوار، كما كان بمثابة الحصن المنيع الذي تتحطم في كل مرة محاولات الاستعمار لتفتيت الأمة على أسواره، والإسلام هو السبب الذي جعل الشهيد العربي بن مهيدي يطلب من رفقائه إلقاء الثورة إلى الشعب لعلمه المسبق أن للشعب مرجعية قوية والمشكلة من جمعية العلماء المسلمين والزوايا كما قال، كما أن الإسلام يكرس حب الأوطان من وجهة نظره.
-
-
الدكتور عمار طالبي:
-
“فشلنا لأننا ابتعدنا عن قيم الإسلام”
-
-
الدكتور عمار طالبي عضو جمعية العلماء المسلمين ذكر في كلمته أن الجهاد هو استراتيجية الإسلام، وهو ما أدى إلى تحقيق النصر المؤزر والاستقلال، وأن المجد يصنع بمداد العلماء ودماء الشهداء.
-
وأرجع الشيخ فشل السياسات المتعاقبة في البلاد لأننا ابتعدنا بسبب اليسارية الاشتراكية عن قيم أول نوفمبر “في إطار المبادئ الإسلامية” ولم نضع استراتيجية قوية بعد الاستقلال، وهو ما أدى إلى فشل الثورة الزراعية والثقافية، داعيا إلى تفعيل القيم الإسلامية كجزء لا يتجزأ عن القيم الوطنية.
-
-
الرائد عمر صخري:
-
“الثوار نجحوا لأنهم أحسنوا التخطيط”
-
-
المجاهد الكبير عمر صخري أكد أن وضع الاستراتيجيات في أي شيء أو مجال هو الكفيل بالنجاح، كما نجح الثوار الذين وضعوا استراتيجية محكمة تأخر قطافها 06 أشهر فقط، إذ أعدوا عدتهم على أساس 07 سنوات من الكفاح المبارك، السنتان الأوليان حرب بين الثوار وجيش الاستعمار، وسنتان أخريان تلقى فيها الثورة للشعب ليحتضنها ويدعمها، أما السنوات الثلاث المتبقية فهي سنوات مفاوضات مع الاستعمار، وهو ما يعكس عبقرية المجاهدين ووطنيتهم، التي يمكن الكشف عنها من خلال التعبير الدقيق لبيان أول نوفمبر الذي دعا الرائد إلى تحليله واستخلاص العبقرية منه.
-
-
محمد عباس:
-
“ضعف أداء المؤسسات السياسية الاقتصادية وراء تراجع القيم”
-
أما الإعلامي محمد عباس فقد تطرق في كلمته إلى ما جاءت به المواثيق الثورية المختلفة من مبادئ الوطنية والمحافظة على القيم الإسلامية، وذكر أن الحركة الوطنية استقطبت جميع فئات الشعب من جمعيات وهيئات وحذت حذوها جبهة التحرير.
-
وتطرق إلى دور بعض الجرائد في مقاومة الاستعمار القديم والجديد، وذكر أن ضعف أداء المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد كان وراء تراجع الأمة وخمود الوطنية، ودعا إلى إعادة استلهام مبادئ أول نوفمبر حتى نتشبع بعقيدة التضحية وحب الوطن حتى نتمكن من تصفية جيوب الاستعمار في بلادنا والتي تخطط للحياد عن مبادئ الثورة التحريرية.
- محمد الطاهر خليفة:
-
“الجانب الديني كان ملهم المجاهدين وحذار يا شبابنا من نسيان التضحيات”
-
ذكر الرائد حمة سي الطاهر أن الدين كان عماد ومحرك غريزة التحرر التي غلبت وعششت في أشجان المجاهدين، وعدد بعض ما قدمته الزوايا من رجالات خدمت الثورة بالنفس والنفيس، وحذر أبناء الجيل الحالي من ما حيك ولا يزال من مؤامرات ضد الوطن، ودعاهم إلى عدم نسيان الماضي سواء ما تعلق بتضحيات المجاهدين أو جرائم الاستعمار التي لن تغتفر مهما كان، وأن الاستعمار لا يزال بالمرصاد ويحاول نفث سمومه في جسد أمتنا الجزائرية، وتأسف عما يقوم به الشباب من “حرڤة” حيث يفضل الموت في البحار على البقاء في وطنه.
-
-
الزاوية القاسمية تكرم الأسرة الثورية
-
أقامت الزاوية القاسمية على هامش الندوة التي نظمتها بتكريم ثلة من المجاهدين وأبناء الشهداء، بحضور شخصيات وطنية كرئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش ومجموعة من الرلمانيين ورفقاء السلاح.
-
الزاوية منحت أوسمة وشهادات لمهندسي الاستقلال من الأحياء وممن التحقوا بالرفيق الأعلى، حيث كرم كل من “الرواد” شريف خير الدين وعمر صخري وحمة سي الطاهر، وكرم أيضا العقيد يوسف الخطيب “سي حسان” وكرم في ذات المناسبة شهداء المنطقة العقيدان الشهيدان “الحواس” و عميروش (كرم نجلاهما) وكرم أيضا العقيد محمد شعباني (شقيقه عبد الرحمان) في جو مهيب ذكر الجميع بسنوات العطاء في قمم الجبال.
-
كما كرمت الزاوية مجموعة من مجاهدي وشهداء منطقة الهامل عرفانا بما قدمه أولئك الأبطال من تضحيات جسام وما رسموه من بطولات فاقت حدود المنطق والعقل تشرف التاريخ بتسجيلها في ذاكرته.