إمبراطوريّة الإجرام.. صورتُها الكيان وصَمَمُ المطبّعين ( الجزء الثاني والأخير)
تلك هي أمريكا التي تعرّف نفسها على أنّها “مدينة فوق تلّ” وتدّعي مُثل “الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان” باعتبارها “قيما عالمية”، وترى أنّ لها مسؤوليّة نشرها في كلّ أنحاء العالم، في حين، هي أيديولوجيا للحفاظ على الهيمنة العالمية.
حسب “باترسون” فإنّه بسبب الفرق الكبير بين الديمقراطية التي نسعى إلى تصديرها خارج أمريكا، وتلك التي نمارسها في مجتمعنا أصبح الشّعب الأمريكي لا يؤمن بهذا المصطلح ويتحفّظ عليه. وبالفعل، هي القوة العالمية الأكثر عدائية لأيّ حكم ديمقراطي في أيّ مكان في العالم، وخير مثال على ذلك تصريحها الأخير، إذ تعتقد أنه سيكون من السّابق لأوانه إرسال الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع بعد وقت قصير من انتهاء الحرب في غزّة. وتارة تصرّح خارجيّتها بأن الشعب الفلسطيني هو من يجب أن يختار قادته، وتارة أخرى تؤكد أنّه عندما تجرى انتخابات، ينبغي استبعاد حماس.
من جهة أخرى، ترى نفسَها السيد وعلى الجميع الانصياع، وتستخدم التهديد والوعيد لنشر قيمها بالقوّة، خاصة في بلدان العالم الثالث؛ فمنذ ثمانينيّات القرن الماضي، وهي تروّج لـ”الدمقرطة” و”الّليبرالية”، مستعملة جميع الوسائل، بمن فيها التحريض على ما تسمّيه “الثورات الملوَّنة”، بل والتخريب المباشر لحكومات الدول الأخرى. وهي تطالب الدول الالتزام بالنظام الدولي وقوانينه، لكنّها تضع مصالحها الخاصّة فوقه، وتنسحب من المنظّمات الدولية طالما أنّها لا تفي بمتطلّباتها.
هذه هي أمريكا التي تصف الدوّلَ التي ترفض الخنوع والاستسلام لجبروتها بأنّها “دولُ الشرّ” وفق منطق جورج بوش الابن “من ليس معنا فهو ضدّنا”.
هذا المجرم، هو من وقّع مع عرفات العام 1993م ما يسمّى “معاهدة السلام”، ويلقّبونه في الغرب، بــ”بطل السلام” لكنّهم تناسوا أُمنيّته: “… لو أنّ البحر يبتلع غزة!” مثل أمنيّة نظيرته المجرمة “غولدا مائير”: “…أتمنّى كلّ صباح أن أصحو ولا أجد طفلا فلسطينيّا واحدا على قيد الحياة”!. هذا “السلام” الذي وقّعه، كان على مقاس احتياجات الكيان الاستعمارية والعنصرية اليهودية، وما يريح الكيان الصهيوني وفقط.
إنّ أمريكا، تستثني الكيان الصهيوني، كونه صورتها من حيث النّشأة، والإجرام، وتزوير التاريخ والحقائق، والحقد والضغينة، والكذب؛ فكلاهما قام بمحو شعبٍ وفسخ تاريخه وتطهير أرضه عرقيا، لأنّه من البديهي أن لا تقوم دولة جديدة بشعب جديد دون فعل ذلك، والكيان راح يحاكيها في اختلاق ما سُمّي “دولة إسرائيل”، وكان أكثر نازية ووحشية وانحدارا أخلاقيّا؛ ففي الفترة ما بين (1947-1948م) وضعت منظّمة “الهاغانا” خطّة سمّتها داليت أو (د)، وقد جرى وضع اللّمسات النهائيّة على الخطّة في اجتماع عقده “بن غوريون” في تلّ أبيب يوم 10/3/1948م بحضور عشرة من القادة الصهاينة، وتضمّنت أوامر صريحة لوحدات “الهاغانا” باستخدام شتّى الأساليب للتنفيذ، إثارة الرّعب، وقصف القرى والمراكز السكنية، وحرق المنازل وهدمها، وزرع الألغام في الأنقاض لمنع المطرودين من العودة إلى بيوتهم، وقد استغرق تنفيذ تلك الخطّة 6 أشهر. وهو المشهد الإجرامي الذي يتكرّر اليوم في غزّة.
لقد رافقت عملية نشأة الكيان –على غرار حاضنته أمريكا- سجلّا مليئا بالمجازر الوحشيّة طوال 75 عاماً بحقّ الفلسطينيّين، جيشٌ تسلّح بالإجرام، وتجرّد من كل القيم والأخلاق، وذلك منذ العام 1937م، ولائحة رؤساء حكوماته وجنرالاته حافلة بأسماء مجرمي حرب من الطراز الأوّل، أمثال، بيغن، شامير، رابين، بيريز، وشارون، وباروخ غولدشتاين الذي قتل 29 مصلّيا في الحرم الإبراهيمي العام 1995. وقد كان “رابين” أحد مهندسي ومخطّطي ومنفّذي عمليّة ترحيل الفلسطينيّين، وكان قائدا لسريّة “هارئيل” التي قاتلت في منطقة القدس؛ كما جاء في كتاب المؤرخ اليهودي “إيلان بابي” “التطهير العرقي لفلسطين” الصادر العام 2006م، وهو الذي قاد، في العام 1948م احتلال قرية “قيساريا” الساحليّة وطرد سكّانها، وعشرات الآلاف من أهالي مدينتي اللدّ والرّملة، وفي حرب 67 كان مسؤولا عن جرائم التطهير العرقي في الجولان، وطرد منه نحو 100 ألف من سكّانه، وكذلك تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الضفّة الشرقية.
هذا المجرم، هو من وقّع مع عرفات العام 1993م ما يسمّى ” معاهدة السلام”، ويلقّبونه في الغرب، بــ”بطل السلام” لكنّهم تناسوا أُمنيّته: “… لو أنّ البحر يبتلع غزة!” مثل أمنيّة نظيرته المجرمة “غولدا مائير”: “…أتمنّى كلّ صباح أن أصحو ولا أجد طفلا فلسطينيّا واحدا على قيد الحياة”!. هذا “السلام” الذي وقّعه، كان على مقاس احتياجات الكيان الاستعمارية والعنصرية اليهودية، وما يريح الكيان الصهيوني وفقط.
أمّا المجرم “نتنياهو” فيقول عن الفلسطينيين بتاريخ 25/10/2023م: “… نحن أبناءُ النّور وهم أبناء الظّلام، والنّور سينتصر على الظّلام، وبإيمان عميق بخلود إسرائيل سنحقّق نبوءة إشعياء لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببا في تكريم شعبكم، سنقاتل معا وسنحقّق النصر”.
وفي 28/10/2023م صرّح نتنياهو قائلا “… يقول كتابُنا المقدّس: تذكّروا ما فعل عماليق بكم، ونحن نتذكّر ونقاتل» وعن جنوده في غزة “… إنّهم يلتحقون بسلسلة من أبطال اليهود، بدأت قبل 3000 سنة مع يوشع بن نون، إلى أبطال حرب 1948، وحرب الأيام الستة 1967م، وحرب أكتوبر 1973م، وكل الحروب التي كانت في هذا البلد”. وعليه، فإن “السلام” عند الصهاينة، يعني استئصال العماليق وهم من منظور الصهاينة أجدادُ الفلسطينيّين والعرب. ومن ثمّة، فهي دعوة للتطهير العرقي لشعب فلسطين.
إنّ ما قاله هذا المجرم –وقاله غيرُه من المسؤولين الصهاينة السّابقين والحاليّين- ليس مجرّد تصريحات، ولكنها سياسة متّبعة، تتماهى مع الأحلام التوراتية التاريخية، إذ أكّد هذا المجرم أنّ:”… “إسرائيل” ستظلّ تسيطر على المنطقة كلّها من النهر إلى البحر”، وقال ذلك في سياق رفض قيام دولة فلسطينية، وكردّ على ما طرحته أمريكا الحليفة كخطّة للسلام مؤخّرا، أساسها إيقاف حرب غزة والتطبيع الشامل مع العرب، مقابل دولة فلسطينية مستقلة، وهي الكذبة التي تكرّرها أمريكا منذ ستينيات القرن الماضي، والأساس في الخطّة هو التطبيع حالا، أمّا قيام الدولة، فأمرُها لــ”سوف”. وليس أدلّ على كذب أمريكا هذه الأيام، من الادّعاء بأنّ اليمنيّين “يعرقلون التجارة العالمية وحريّة الملاحة الدولية”، في وقت يكرّر فيه اليمنيّون أنّ المعني بالعمليّة هو سفن الكيان والسفن المتّوجهة إليه فقط.
المهمّ، أنّ أمريكا واضحة في مواقفها تجاه الكيان منذ نشأته، ويكفي التذكير ببعض مواقفها على سبيل المثال لا الحصر، إذ طالب “ريغان” الدولَ العربية في 01/02/1983م بقبول إسرائيل كأمر واقع، وأكّد لها في 04/12/1983 بأنّ أمريكا تقف بجانب إسرائيل عند أيّ تهديد لأمنها؛ وأعلن لها صراحة في 07/05/1988م أنّ أيَّ تسويّةٍ سلميّة لنزاع الشّرق الأوسط يجب أن تلتزم بمبدأ الأرض مقابل السلام – ونسبه العربُ لأنفسهم تحت مسمّى مبادرة عربية في 2002م ببيروت– ثمّ، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي في 07/07/1988م على قرار يتيح لأمريكا نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، واعتبر مجلس النواب في 03/04/1990م القدس “عاصمة لإسرائيل”، وأصبح القرار واقعا ملموسا في عهد “ترامب”. مقابل ذلك، وعود للعرب لا نهاية لها، مفاوضات تلو الأخرى، اجترار لكلمة “السلام”، و”حلّ الدولتين”، ثمّ، شعار “التطبيع مقابل السّلام” وليس الأرض… وما تزال أمريكا تُعيد هذه السيمفونيّات حتّى يتكيّف العربُ مع الأمر الواقع كما قال “كيسنجر”.
وبالفعل، صدق “كيسنجر” في نظرته، وتجلّى ذلك في استنبات إمّعات المطبّعين مع العدوّ، الذين باتوا يخدمون استراتجيّاته، خوض حروب ضدّ بعضهم بعضا وضدّ أخوتهم في الدين، وتنازلٌ عن حقوق فلسطين المُغتصَبة، والقدس والأقصى، والتضحية بالتاريخ والشهداء، وتوجيه السّهام إلى المقاومة، ليس شتما وتوصيفا وسخريّة وحسب، بل بالأفعال، إذ فتح بعضُهم أراضيه لإمداد الكيان الصهيوني بما يتلقّاه من حلفائه الغربيّين، ومنهم من يرسل المواد والمؤن الغذائية للكيان، ومنهم من يساهم في القتل البطيء لسكّان القطاع من خلال غلق المعابر، ومنهم من يعطّل حصار الكيان من طرف اليمن. أليس كلّ ذلك مشاركة في الجريمة بطريقتهم الخاصّة؟. لكن، لا عجب من مثل هذا السلوك، فاحتلال العراق، وبيع إخوانهم في سوريا وليبيا واليمن شواهد ليست بالبعيدة، وأغرقوا شعوبهم في بحر من الدّماء والتّمزيق. إنّ هؤلاء حاولوا تسويغ سلوكهم بقولهم إنّ الكيان يريد “السلام”، وينسون أنّه يريد من العرب الاستسلام والتسليم بحقّه في اغتصاب فلسطين، والهيمنة على المنطقة، وأنّ أمريكا بخاصّة تريد الحرب على العرب بأيدي عربيّة.
أخيرا، لقد قدّم هؤلاء أوراق اعتمادهم لإمبراطورية الإجرام ونسختها المصغّرة الكيان منذ زمن، اعتراف بكيان أجرم وما يزال في حقّ بني جلدتهم، واشتراك في مأساتهم، وتحالف بعضهم مع الكيان ضدّ من لا يحذو حذوهم من الدول العربية. لكن هؤلاء ربّما نسوا الحكمة العربية البليغة: “الحكيم من اتّعظ بغيره، والأحمق من اتّعظ بنفسه”.
نذكّر هؤلاء المطبّعين بوزيرة خارجية السويد “آنا ليند” قبل عقدين (2003)، كيف كانت مواقفها تجاه الكيان الصهيوني، هجوم شرس تجاهه، دفعت حياتها ثمنا لهذا الموقف الجريء بطعنة سكّين. وهناك كُثْرٌ من صنف هذه السويدية هذه الأيام في الغرب والشّرق –بمن فيهم بعض الإسرائيليّين– وهو ما لم يتجرّأ عليه هؤلاء المطبّعون الجبناء، فأيّ انكسار وخضوع هذا؟ وأيّ هبوطٍ وسقوط أخلاقي ووطني؟ إنّها الانهزاميّة المُخزية، وقد أرادت غزّة من خلال الطوفان أن توقظكم، لكن يبدو أنّ بكم صَمما!