إننا لا نعرف أنفسنا…
أميل إلى اعتبار أن مشكلتنا في الإعلام هي أكبر من الحق في الحصول على المعلومة بل في وجود المعلومة ذاتها. عندما نطالب بالحق في الوصول إلى مصدر الخبر، نفترض جدلا أن مصدر الخبر يملك المعلومة، والواقع أنه هو ذاته ضحية غيابها من سجلاته أو تأخر وصولها إليه أو عدم معقوليتها بالأساس ليفيد بها أو يتحمل مسؤولية التصريح بها، لذلك كثيرا ما يبدو أنه يحجب ما لديه، والواقع أنه لا يملك ما يفيد به من غير الوقوع في الخطإ أو التعرّض للعقاب.
لذلك فإننا عندما نتكلم عن صعوبة الحصول على الخبر، أي على المعلومة الصحيحة، إنما نحن نتكلم عما ظهر من كتلة الجليد، أما ما كان في العمق فهو أكبر مما نتصور.
ما كان في العمق هو أننا لا نمتلك بنوك معطيات حقيقية عن واقعنا في أي مجال من المجالات رغم وجود محاولات جادة هي الآن في الطريق لتغطي هذا العجز؛ أي إننا لا نمتلك المعلومات الصحيحة عن أنفسنا وعن واقعنا الاقتصادي والاجتماعي لذلك لا نستطيع نشرها أو تمكين الصحفيين منها.
الديوان الوطني للإحصاء ذاته يتعرّض لمثل هذه المشكلات باعتباره المصدر الأول الذي يستند إليه الجميع للحصول على المعطيات الخام، في كثير من الأحيان لا يقوم بمهمته على أحسن وجه أو لا يستطيع ذلك من حيث ضعف الإمكانات العلمية والتكوين والدعم اللوجستي… من البلديات إلى الإدارات المركزية المكلفة بالإحصاء أو التخطيط أو الاستشراف.
مشكلتنا تبدو في هذا المستوى وتعاني منها كافة القطاعات من المستثمر في مجال الموارد البشرية إلى المستثمر في المجالات الاقتصادية والاجتماعية إلى الإعلامي الذي يبدو أنه المطالب الأول بنشرها والتعليق عليها.
وإذا أردنا أن نؤسِّس لمجتمع معلومات حقيقي، ينبغي أن نبدأ من الأساس، من توفير المعلومة الصحيحة وفي الوقت المناسب للجميع، وبالطرق العلمية المتعارف عليها بعيدا عن كل خلفيات سياسية أو ذات طابع دعائي.
والشيء ذاته إذا أردنا أن نؤسس لمجتمع حريات ينبغي أن ننطلق من توفير إطار قانوني صارم وفَعَّال يتكفل برصد كل المعطيات التي نملك ويُقنّن كيفية الوصول إليها أو استخدامها، وبالدرجة الأولى تأمينها.
عندها فقط يأخذ حديثنا عن الحق في الإعلام مجرى آخر، ونبدأ بالفعل من البداية الصحيحة: تصحيح المعطيات لتتحول إلى بيانات ومعلومات قابلة للنقل عبر مختلف الشبكات وصالحة لأن تُعلمنا حقيقة أنفسنا وكيف ينبغي أن نكون في المستقبل، وذلك هو الأمل.