ابتزاز الجزائر!
العملية الاستعراضية التي قام بها مختطفو القنصل الجزائري وستة من الموظفين والتي تكرمت الجزيرة مشكورة ببثها وإعادة بثها احتراما لمشاعر عائلات المختطفين، جاءت لتؤكد المخاوف التي طالما رفعها المهتمون بقضايا الساحل من “تغول” الجماعات المسلحة الناشطة بالجنوب بعد تدعمها بالعناصر المدربة في كتائب القذافي وتسلحها بما يكفي لإسقاط دولة تشبه مالي!
والواقع أن عملية الاختطاف لم تكن مفاجئة للملاحظين بقدر ما كانت المفاجأة من تباطؤ الدبلوماسية الجزائرية في إجلاء موظفيها من القنصلية الجزائرية بعد سيطرة طرف معاد على الأرض، وهو الإجراء الذي تماطلت الخارجية الجزائرية في اتخاذه لتنقض عليها جماعة مسلحة تكن العداء وتعلن الحرب على الجزائر وتمارس به عملية ابتزاز سياسي.
لم يكن موقف الجزائر مما يجري في منطقة الساحل حيال تنافس المخابرات الفرنسية والأمريكية مع بسط نفوذها على الأرض وعلى الجماعات المتناحرة ورفضها إقامة قواعد عسكرية غربية متقدمة ومتأخرة لمواجهة الجماعات الإرهابية ليمر دون أن تدفع الجزائر ثمن ذلك، فالجزائر حافظت على نفس المسافة من أطراف النزاع ونأت بنفسها عن الحرب بسحب خبرائها الأمنيين والعسكريين من شمال مالي حتى لا يستخدم سلاحها ولا خدمات خبرائها في حرب الجيش المالي ضد التوارق، وبالمقابل رفضت استقبال بعض الجرحى من المتمردين التوارق وأعلنت عدم استعدادها لدعم أي طرف ضد آخر، في حين لم تتأخر في ربط الجنوب بجسر جوي لتقديم مساعدات إنسانية للنازحين والفارين من الحرب.
قد يكون خطأ الجزائر أنها اعتمدت في استراتيجيتها على التعاون فقط مع حكومات البلدان المعنية وهي في معظمها مهلهلة أمنيا وضعيفة عسكريا، وليس أدل على ذلك من قيام مجموعة جنود لا يتجاوز عددهم العشرين مزودين بدبابتين وأسلحة خفيفة بانقلاب لم تتجاوز مدته ربع ساعة.. فهل كانت قراءة الجزائر خاطئة لموازين القوى، أم أنها اضطرت إلى لتعامل مع واقع تطلبته المرحلة.
لا يمكن تفسير عملية اختطاف القنصل الجزائري إلا بمحاولة إرباك الجزائر والضغط عليها للقبول بتفاهمات أمنية وانهاكها بتنويع “بؤر” الصراع وخلق “مناطق قلاقل” على طول الحدود الجزائرية الليبية التي تتجاوز 800 كلم، وكذا الجزائرية النيجرية المالية التي تفوق 140 كلم إذا أضفنا إليها التوتر القائم في الصحراء الغربية، تكون الجزائر قد طوقت بحزام أمني “ناسف” يشتت جهدها الأمني والعسكري ويجعلها تقبل مضطرة بترتيبات سياسية لدول لا يهمها خير الجزائر والجزائريين.
ولا نريد أن نذهب بعيدا في ربط زيارة المسؤول الأمريكي عن قوات “أفريكوم”، وزيارة وزير الدفاع القطري، وقبله السعودي “وهم رسل الربيع العربي”، وتزامن إعلان دولة الأزواد، ومحاولة ابتزاز الجزائر بالقبول بتقسيم مالي والتعايش مع زلزال كيان “دولة” مستقلة للأزواد يمكن أن تصل هزاتها الارتدادية إلى عمق الجزائر.