اتساع “نفوذ” المؤثرين… ومطالب بضوابط قانونية للمحتوى الرقمي
يرتبط عادة نشاط المؤثرين وصناع المحتوى بنشر المحتويات الترفيهية وحتى “التافهة” في بعض الأحيان، أو الترويجية على منصات التواصل الاجتماعي، ومع اتساع نفوذهم في الفضاء الرقمي وتزايد عدد المتابعين من الآلاف إلى الملايين، وأصبح تأثيرهم سريعا في سلوك المتابعين، ويرى قانونيون أن المرحلة الحالية تفرض وضع إطار قانوني وأخلاقي ينظم نشاط المؤثرين، ويحمي الفئات الأكثر عرضة للمخاطر الرقمية، وفي مقدمتها النساء والأطفال، في وقت أصبحت فيه هذه المنصات الفضاء الأول لتداول الأفكار والمواقف وصناعة “الترند”.
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة والدكتورة، بسمة بوصوغة، أن الفضاء الرقمي أصبح اليوم الساحة الرئيسية للنقاش العام، وهو ما جعل ممارسة حرية التعبير تثير إشكالات قانونية، خاصة مع التطور السريع لوسائل الاتصال وتنوع المنصات الرقمية التي سمحت لأي شخص بنشر المحتوى والوصول إلى جمهور واسع في وقت قياسي.
بسمة بوصوغة: الشهرة التي يحققها المؤثر لا تعفيه من المسؤولية
وأوضحت المتحدثة، أن حرية التعبير تعد من الحقوق الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، موضحة أن الدستور الجزائري لسنة 2020 نص في مادته 52 على أن حرية التعبير مضمونة، غير أن هذا الضمان بحسب المتحدثة، لا يعني إطلاق الحرية دون ضوابط، لأنه يبقى مرتبطا باحترام القانون وحقوق الآخرين.
سرعة انتشار المحتوى صعبت مهمة التحكم فيه
وأضافت أن الثورة الرقمية، ورغم ما حملته من مكاسب في مجال التواصل وتبادل المعرفة، فتحت الباب أيضا أمام العديد من المخاطر الناتجة عن الاستعمال غير المسؤول للمنصات الرقمية، في ظل سرعة انتشار المحتوى وصعوبة التحكم فيه، وهو ما يستدعي، بحسبها، تعزيز ثقافة المسؤولية لدى جميع مستخدمي الفضاء الإلكتروني، وعلى رأسهم المؤثرون وصناع المحتوى.
وترى الدكتورة بوصوغة، أن المؤثرين أصبحوا فاعلين أساسيين في البيئة الرقمية، بعدما تجاوز دورهم إنتاج المحتوى الترفيهي ليشمل التوعية والتثقيف ونقل المعرفة والتأثير المباشر في الرأي العام، خصوصا لدى فئة الشباب، وهو ما يجعل مسؤوليتهم مضاعفة مقارنة بالمستخدم العادي.
التطور التكنولوجي أفرز نماذج جديدة من قادة الرأي
وأكدت أن حرية التعبير تمارس في إطار احترام القانون وحماية حقوق الآخرين، بما يضمن التوازن بين الحريات الفردية والمحافظة على النظام العام والآداب العامة والقيم المجتمعية، مشيرة إلى أن الشهرة التي يحققها المؤثر لا تعفيه من المسؤولية القانونية، بل تزيد من حجمها بالنظر إلى اتساع دائرة تأثيره.
وفي حديثها عن مفهوم المؤثر، أوضحت الباحثة أن المؤثرين هم أشخاص يمتلكون قاعدة جماهيرية واسعة عبر المنصات الرقمية، ويقدمون محتوى بشكل يومي حول حياتهم أو مجالات تخصصهم، ويتمتعون بقدرة كبيرة على التأثير في متابعيهم، معتبرة أن التطور التكنولوجي أفرز هذا النموذج الجديد من قادة الرأي الذين أصبحوا يوجهون سلوك الجمهور ويؤثرون في خياراته.
وأضافت أن ظاهرة التأثير الرقمي في الجزائر لا تزال في طور النمو، غير أنها تشهد توسعا ملحوظا مع ازدياد عدد المؤثرين الذين ينشطون في مجالات مختلفة، لاسيما التسويق الإلكتروني والترويج للمنتجات والخدمات، وهو ما يستدعي، بحسب رأيها، وضع إطار قانوني واضح ينظم هذه المهنة ويحدد حقوق وواجبات ممارسيها.
وضع تعريف قانوني موحد للمؤثر
وأشارت الدكتورة بوصوغة إلى أن غياب تنظيم قانوني دقيق لنشاط المؤثرين ساهم في ظهور العديد من الإشكالات خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع إلى المطالبة بتقنين هذا النشاط من خلال وضع تعريف قانوني موحد للمؤثر، وتحديد شروط ممارسة النشاط، وآليات التصريح بالمداخيل والالتزامات الجبائية، بما يضمن الشفافية ويحمي المتعاملين في هذا المجال.
وشددت المتحدثة على أن الحفاظ على النظام العام في الفضاء الرقمي يقتضي وضع ضوابط قانونية وأخلاقية للمحتوى الذي ينشره المؤثرون، خاصة بعد القضايا التي طالت عددا من صناع المحتوى بسبب نشر محتويات اعتبرت مخالفة للقانون أو منافية للأخلاق العامة، أو تضمنت تشهيرًا وسبًا وشتمًا وإساءة إلى الأفراد أو المؤسسات.
نشر الوعي الرقمي على “السوشل ميديا”
وأكدت في السياق ذاته أن مواجهة هذه التجاوزات لا تكون فقط بالعقوبات، وإنما أيضا بنشر الوعي القانوني، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتوفير آليات رقابية فعالة تمنع استغلال المنصات في نشر الأخبار الكاذبة والمحتويات المضللة وخطابات الكراهية، بما يساهم في حماية المجتمع من الآثار السلبية للاستعمال غير المسؤول للتكنولوجيا.
وفي ختام تصريحها، دعت الدكتورة بسمة بوصوغة إلى وضع إطار قانوني واضح وفعال ينظم نشاط المؤثرين وصناع المحتوى دون المساس بحرية التعبير التي يكفلها الدستور، مع تكثيف برامج التكوين والتوعية في مجال الجرائم الإلكترونية وحماية الحياة الخاصة، وتشديد المسؤولية القانونية عند استهداف الفئات الهشة، خاصة الأطفال والنساء، أو عند نشر محتويات تتضمن التحريض على العنف أو الكراهية أو الابتزاز الإلكتروني أو الأخبار الكاذبة، مؤكدة أن مستقبل المحتوى الرقمي في الجزائر يظل رهينا بتحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يضمن فضاء رقميا أكثر احترافية وأمانا.